فهرس الكتاب

الصفحة 1057 من 1226

الخامس: أنه من خلال عملي في القضاء واطلاعي على كثير من ميزانيات الشركات والمؤسسات التجارية، وجدت أن هذه الميزانيات الصادرة عن مكاتب محاسبية قد لا تعبر بالضرورة عن جميع العمليات المالية كما هي في الواقع، ولو افترضنا أنها تعبر عن الواقع بصدق فإن المحاسب القانوني ليس له دراية بالشريعة وبالتالي. فإن الألفاظ التي يطلقها تمثل بصورة أساسية مصطلحات محاسبية تختلف بالمفهوم الشرعي بين محاسب ومحاسب آخر في كونها تمثل ربا أو لا؟ وهي أمور دقيقة لا تظهر في القوائم المالية الربع سنوية، ومثالها: كأن يكتب في الميزانية مثلًا: غرامات تأخير بمبلغ كذا وهذه الغرامات عند التمحيص ليست على تأخير أعمال، بل على تأخير سداد أموال مستحقة للشركة فهي فوائد أو ربا صريح بينما تظهر هذه الغرامات في القوائم المالية على أنها مطلوبات على الغير في ضمن ديون صحيحة للشركة على الغير وهذه من المسائل الشائعة لدى الشركات المساهمة، وعلى هذا فهي لا تحتسب من الأموال الربوية نتيجة لعدم التمحيص في الميزانيات المالية لكل شركة ومراقبتها من قبل عالم بالشريعة أضف إلى ذلك أن استيفاء فحص الميزانيات لهذه الشركات لكل بند وتمحيصه أمر عسير جدًا ويحتاج لفرق محاسبية وشرعية خاصة مع كبر تعاملات الشركات المساهمة في المملكة، وبهذا يتبين أن إطلاق وصف النقاوة لمجرد الاطلاع على القوائم المالية الربع السنوية الأولية للشركات المساهمة غير صحيح.

الخامس: أنه من المعلوم شرعًا أن الله تعالى إذا حرم شيئًا أوجب اجتنابه كليًّا قليله وكثيره يدل لذلك قوله صلى الله عليه وسلم:"ما أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وما نهيتكم عنه فاجتنبوه"وأيضًا في المحرمات نهى عن اقترابها فضلًا عن فعلها قال تعالى"ولا تقربوا مال اليتيم""ولا تقربوا الزنا"وقال صلى الله عليه وسلم:"الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه ألا إن لكل ملك حمى ألا إن حمى الله محارمه"من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه ففي هذا الحديث أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى عدم الاقتراب من المحرم حذرًا من الوقوع فيه. وعليه فالربا قليله وكثيره سواء في الحرمة يدل لذلك ما رواه أحمد في المسند بسند صحيح عن عبد الله بن حنظلة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد من ست وثلاثين زنية"وفي رواية في الخطيئة"وبناء عليه كيف يجوز شراء أسهم شركة جزء منها ربا ولو كان قليلًا فقليل المحرم وكثيره سواء؛ للحديث. وبالتالي فالشركة التي يمثل الربا فيها نسبة قليلة لا يجوز شراء أسهمها لأن السهم يشمل جميع أجزاء الشركة وتجويزه -ولو كان قليلًا- إقرار به ورضا وتعاطي للمحرم وهذا من المعلوم تحريمه."

السادس: أنه لا يصح القول بأنه يمكن تطهير هذا السهم أو ذاك؛ لأسباب منها: أن النهي متوجه لعدم المقاربة فضلًا عن المقارفة ومتوجه لأخذه مع العلم بأنه ربا -كما مر- وهذا قد اشترى سهمًا وأخذ مالًا مع علمه بما فيه من الحرمة فكيف يصح شراؤه والحالة هذه فضلًا عن تطهيره. ومنها أنه على التسليم بصحة هذا المبدأ وهو التطهير فإن السهم جزء من الشركة التي هي عبارة عن أعيان ونقود وهذه الأعيان والنقود المشاعة تمثل المعاملات المحرمة جزءًا مشاعًا منها أيضًا والمشاع لا يمكن تطهيره إلا إذا تعين والتعيين متعذر والحالة هذه -في الشركات المساهمة- فيتعذر تطهيره، كما لو تيقن النجاسة في ثوب وجهل موضعها فإنه يحرم الصلاة في هذا الثوب حتى يغسله جميعًا فهو هنا كذلك؛ فإذا اختلط المحرم اليسير بالحلال على وجه الشيوع حرم الحلال حتى يتميز الخبيث منه تميزًا يمكن إخراجه منه.

السابع: على التسليم بأن هذه الشركة أو تلك قد خلت معاملاتها من الربا جميعه سواء بالاقتراض أو الإيداع بالفوائد منذ بداية الشركة وحتى إصدار المفتي فتواه بأنها نقية، فإن خلوها من الربا لا يلزم منه خلوها من المعاملات المحرمة الأخرى غير الربا كالتأمين التجاري وخطابات الضمان غير المغطاة مع دفع الرسوم على تلك الخطابات بالنسبة والتناسب وبيوع الديون والبيع وشرط، والبيوع ذات الشروط الفاسدة وغيرها كثير مما يتعارض مع لفظ النقاوة المعبر عنه في الفتوى؛ علمًا أن التحقق من صحة البيوع وعدم مخالفتها لا يمكن إلا بمباشرتها والاطلاع على عقودها، حيث إنه لا القوائم المالية ولا حتى الميزانيات التفصيلية تبين طريقة تعاطيها حتى يتسنى بيان حلها من حرمتها، والمقصود أنه لا يصح هذا الإطلاق (لفظ نقية) مع وجود ذلك.

الثامن: أن عبارة: شركة نقية تفيد القطع بذلك مع وجود احتمالات بإخفاء مجلس الإدارة بعض المعاملات المحرمة، أو أن المجلس يجهل تحريمها وكيف تفيد هذه العبارة القطع وعمل المفتي إنما يفيد الظن على أحسن الأحوال؟.

التاسع: أن مما يدل على اضطراب الفتوى بالنقية وعدمها هو تحول الشركات المستمر من وصف النقاوة إلى المختلطة والعكس بالعكس. وعلماء الأصول نصوا على أن من صحة العلة اطرادها، وهنا لم تطرد؛ إذ لا يوجد سبب لتحويلها من النقية إلى غيرها سوى ما يظهر في قوائمها المالية ربع السنوية وقد سبق بيان بطلان هذا العلة.

العاشر وهو أهمها: أنه إذا كان نظام الشركة الأساسي يبيح لمجلس الإدارة التعامل بالقروض التجارية والإيداع لدى البنوك بالفوائد المحرمة، كما هو حال كثير من الشركات المساهمة كيف يصح القول بأن هذه نقية؟ وهي عندها الاستعداد على تعاطي الربا بالقوة؛ هذا إذا سلمنا بأنها لم تقع فيه بالفعل.

ولهذا فإن العقود تبطل بالشروط المحرمة على القول الصحيح (الموسوعة الفقهية 30/239) ومما يزيد هذا القول قوة أن القائلين بصحة هذه العقود أوجبوا إبطال هذه الشروط على كل حال، ولكن الواقع أن المساهم العادي لا يمكنه ذلك. وبالتالي اجتمع القول على حرمة هذه الشركات مع وجود هذه الشروط.

الحادي عشر: أنه بناءً على حديث حنظلة رضي الله عنه السابق ذكره أن العبد لا يؤاخذ بعمل المحرم إلا بعد علمه بحرمته عند أخذه، فلذلك إذا قلنا بجواز هذه الشركات لأنها نقية وقد تصمن النظام الأساسي للشركة تجويز تعامل مجلس الإدارة بالربا أو بالمعاملات المحرمة عمومًا، ثم أظهرت قوائمها المالية عدم تعاطيها الربا -وحكم بأنها نقية- بينما أخفى مجلس الإدارة المعاملات الربوية خاصة والمحرمة عامة، ثم تبين بعد الدخول فيها تلك المعاملات المحرمة فإن المساهم يأثم بالمساهمة في هذه الشركة ابتداءً بتعاطي أسهمها بيعًا وشراءً؛ وذلك لأنه ولو لم يعلم بأن هذه الشركة قد وقعت في الحرام عند شراء أسهمها إلا أنه أقرها على فعلها بالدخول فيها مع وجود هذه الشروط -التي تجيز الربا- فيها.

خامسًا: بناء على ما سبق فقد اختلف الفقهاء المعاصرون في حكم هذه الأسهم على أقوال أبرزها ثلاثة أقوال:

القول الأول: التفصيل بين الشركات النقية وغيرها.

فالتنقية تعتبر جائزة والمختلطة بعضهم أجازها إذا كانت نسبة الربا يسيره يمكن تطهيرها، وبعضهم منعها مطلقًا وهذا القول قد تضمنت الأوجه السابقة الجواب عليه.

القول الثاني: الجواز بشروط:

1-أن يكون النشاط مباحا.

2-ألا تكون نسبة القروض الربوية التي أخذتها الشركة أكثر من 30%.

3-ألا تكون نسبة الفوائد الربوية التي تتقاضاها الشركة من الودائع المصرفية أكثر من 5%.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت