فهرس الكتاب

الصفحة 1058 من 1226

4-ألا تكون نسبة النقود أكثر من 50% من رأس مال الشركة.

والرد التفصيلي على هذا القول قد يطول، ولكن أجمل الرد في حديث عبد الله بن حنظلة السابق ففيه أبلغ رد على هذا القول، حيث دل على أنه لا فرق بين قليل الربا وكثيره كما سبق بيانه.

القول الثالث: أنه يجوز التعامل بالأسهم مضاربة في كل الشركات المساهمة بشرط أن يكون النشاط مباحًا. وهذا القول وإن كان أضبط في العلة لكنه أوهى من ناحية الدليل حيث إن النهي إذا توجه إلى شيء كان النهي عن التملك عموما سواء اشتراه لأجل البيع والمضاربة فيه أو اشتراه لأجل غلته ولو صح هذا القول لجازت كثير من المحرمات أو التي بعضها محرم إذا كان شراؤها لأجل البيع.

الرأي الذي أرجحه في هذه المسألة:

إن العقد الذي يحكم بين المشتري للسهم والبائع له والشركة محل الشراء هو النظام الأساسي للشركة لذا فإن شراء السهم لا يخلو من ثلاثة أحوال:

الحال الأول: أن يكتتب في شركة جديدة بشراء أسهم التأسيس ففي هذه الحالة يجوز بشروط:

1-أن يكون النشاط مباحًا.

2-ألا يتضمن النظام الأساسي للشركة إعطاء مجلس الإدارة صلاحية التعامل المحرم.

وذلك لأن هذه الأسهم -المكتتب فيها في الشركات الجديدة التي لم يسبق لها مزاولة العمل- ليست شراء لعين قائمة، بل هي في الحقيقة دفع مال لأجل المتاجرة به. ويمثل هذا المال المدفوع حصة مشاعة من الشركة، بدليل أن هذه الأموال المكتتب بها تضخ في رأس مال الشركة الذي هو النواة لأعمالها.

وبناء عليه فإذا لم يوجد شرط يجيز لمجلس الإدارة تعاطي المعاملات المحرمة بقي الأمر على الأصل في أن المسلم الأصل فيه الأمانة، وأن المضاربه أمين بينما لوجد هذا الشرط أدى إلى إقرار المكتتب بالمحرم، فيحرم من هذا الوجه. لكن لو علم من أراد الاكتتاب بأن مجلس الإدارة ينوي الاقتراض الربوي فإنه في هذه الحالة يحرم الاكتتاب فيها بناء على عمله بنقض المضارب (مجلس الإدارة) للأصل المشار إليه أعلاه.

الحال الثاني: الاكتتاب في شركة قائمة (سبق لها العمل، وكانت مقفلة ثم طرحت جزءًا من أسهمها للاكتتاب -البيع-) : فهذا يجوز بشروط ـ إضافة إلى الشروط السابقة:

1-أن ينص النظام الأساسي للشركة على أنه يجب أن تكون معاملات الشركة لا تخالف الشريعة الإسلامية، وذلك لما يأتي:

أ- إبراء لذمة المساهم من جميع أعمال الشركة السابقة والتي تخالف الشرع المطهر.

ب- يترتب عليه أنه لا يلزم المساهم التنقيب في ميزانيات الشركة ومتابعتها لأنه.

أولًا: قد يجهل التعامل مع هذه الميزانيات.

ثانيًا: من العسير جدًّا أن يطالب كل مساهم ببحث شرعية كل ميزانية للشركة.

ثالثًا: إن الشركة المساهمة تعلن القوائم المالية مختصرة، ولا تعلن الميزانيات التفصيلية ففي ذلك إبراء لذمة المساهم عما يكون في الميزانيات التفصيلية من أمور محرمة.

ج- أنه بموجب هذا الشرط فإن أي عمل يقوم به مجلس الإدارة مخالف لهذا الشرط فإنه يتحمل إثمه كاملًا؛ لأنه -أي مجلس الإدارة- خان الأمانة بإخلاله بهذا الشرط. وبالتالي فلا يلحق المساهم من الأعمال المخالفة أي إثم قبل علمه بها

د- أنه بموجب هذا الشرط يكون للمساهم -ولو بسهم واحد- دور إيجابي في الشركة؛ حيث إن المساهم إذا نما إلى علمه مخالفة مجلس الإدارة لهذا الشرط فإنه يحق له مقاضاة مجلس الإدارة على هذا الإخلال، حتى لا يكون مقرًّا لهم على ما فعلوه.

2-أن يكون السعر عادلًا من جهة القيمة الدفترية للسهم: بمعنى أن يعكس القيمة الحقيقية للسهم بناء على القيمة الدفترية أي التي أظهرتها الميزانيات الصحيحة فلو كان فيه كذب أو خداع أو تدليس فإنه يحرم على بائع السهم أخذ الزيادة على القيمة الفعلية للسهم (لأن الأسهم المطروحة للاكتتاب كانت مملوكة لأحد الشركاء في الشركة ثم قام بيبعها بنظام الاكتتاب) كما أنه يثبت للمساهم إذا علم بالغبن خيار الغبن.

الحال الثالث: تداول الأسهم في السوق المالي بيعًا وشراء بقصد المضاربة أو الاستثمار فإنه يجوز بشروط ـ إضافة إلى الشروط السابقة -:

1-أن يكون السعر عادلًا من جهة القيمة السوقية للسهم، بحيث تكون القيمة السوقية للسهم مقاربة للقيمة الدفترية أو أعلى منها بشرط ألا يكون هذا العلو فاحشًا بحيث يظهر فيه المخاطرة بالبيع والشراء الذي يخرج هذا التعامل من التجارة إلى المقامرة. وهذه مسألة مهمة لا بد من التفطن لها؛ لأن المقامرة هي نوع من المخاطرة رغبة في الكسب الكثير والسريع في الوقت القصير، ويترتب عليها الخسارة السريعة والكثيرة في الوقت القصير، أيضًا قال ابن حجر المكي: سبب النهي عن الميسر وتعظيم أمره أنه من أكل أموال الناس بالباطل الذي نهى الله عنه بقوله: {لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} - ثم ذلك حديث: {من حلف فقال في حلفه واللات والعزى فليقل لا إله إلا الله ومن قال لصاحبه تعال أقامرك فليتصدق} . وقال: فإذا اقتضى مطلق القول -بالمقامرة- طلب الكفارة والصدقة المنبئة عن عظيم ما وجبت له أو سنت، فما ظنك بالفعل والمباشرة.

فأي مخاطرة أعظم من أن تشتري سلعة تعرف في قرارة نفسك أن سعرها هذا يفوق سعرها الحقيقي مرات عديدة، وأي أكل أموال بالباطل أعظم من إيهام الناس بالربح لأجل أن يشتري غيره السهم وهو في حال ارتفاع، ثم يضطره لأن يبيعه بأقل. ولو اشتراه بسعره الحقيقي (القيمة الدفترية) أو قريبًا منها على أقل الأحوال لم يترتب عليه مخاطرة أنه حتى لو انخفض فسيعود إلى ما كان عليه بناء على العرض والطلب أما إذا كان السعر مبالغًا فيه فهذا سيؤدي إلى خسارة فادحة عند الانخفاض -الوصول إلى السعر الحقيقي- وهو الذي حدث في الآونة الأخيرة عندما انخفضت أسعار الأسهم ورجعت إلى قريب من أقيامها الحقيقية، حيث خسر كثير من المساهمين جزءًا كبيرًا من أموالهم، بل إن بعضهم خسر روحه، بل تسبب بظهور العداوة وقتل بعض الناس لبعض بسبب هذه الأمور؛ لذلك فإنه عند ارتفاع السعر فوق القيمة الحقيقة بكثير فشراء السهم نوع من القمار الذي هو نوع من الميسر قال تعالى:"يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون* إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون".

ويقول ابن القيم رحمه الله ـ في كلام معناهـ: إذا اشتبه عليكم حكم مسألة فانظر إلى ما تنتهي إليه. فإنه سيتبين لك حكمها.

ومن ينظر إلى نهايات سوق الأسهم يعلم مقدار المخاطرة فيها التي تتضمن المقامرة ولو قلنا إنها ليست بميسر أو قمار فهي على أقل الأحوال فيها شبهة القمار مما ينبغي الحذر منه.

2-ألا يكون الشراء -أو طلب الشراء- بقصد رفع السعر والتغرير بالناس؛ لأن هذا نوع من الخداع والنبي صلى الله عليه وسلم يقول"الخديعة في النار"كما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن النجش وهو الزيادة في سعر السلعة بقصد التغرير والخداع لغيره، وقال ابن أبي أوفى رضي الله عنه:"الناجش آكل ربا خائن"رواه البخاري. وهذا حق. فالناجش إنما يريد رفع سعر السلعة لأجل الزيادة الناتجة عن هذا الارتفاع فهذا رباها. وأما الخيانة فهو مؤتمن على إعطاء الحقيقة في قيمة السلعة إلا أنه خان الأمانة، وأعطى السلعة قيمة تخالف حقيقتها.

وختامًا: فلا بد من التنبيه إلى أمور:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت