فهرس الكتاب
هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإننا نرى في أدلة الدكتور طنطاوي ما يثير العجب؛ إذ يبدو التناقض واضحا بين هذا الدليل والدليل السادس؛ فهنا يقول: إن الدراسات المستفيضة والدقيقة تحقق الربح الأكبر؛ حيث تنتفي الخسارة، وهذا ما يفهم من كلامه، وفي الدليل السادس يقول: إن هذا التحديد للربح لا يتعارض مع احتمال الخسارة.
الدليل الخامس:
يرى الدكتور محمد سيد طنطاوي أن تحديد الربح مقدمًا في زمننا هذا فيه منفعة لصاحب المال، وفيه منفعة -أيضًا- لصاحب العمل المستثمر لهذا المال.
ففيه منفعة لصاحب المال؛ لأنه يعرفه حقه معرفة خالية من الجهالة، وبمقتضى هذه المعرفة ينظم أمور حياته.
وفيه منفعة لصاحب العمل؛ لأنه يحمله على أن يجد ويجتهد في عمله وفي نشاطه حتى يحقق ما يزيد على الربح الذي قرره لصاحب المال، وحتى يكون الفائض على نصيب صاحب المال حقا خالصا لصاحب العمل في مقابل جده ونشاطه واجتهاده مهما بلغ هذا الفائض. (27)
فإذا كان فضيلة د. طنطاوي يقصد بالتحديد ما هو وارد في عقد المضاربة من تحديد نسبة الربح من صافي الربح فنعم، ولكن الواضح أن فضيلته يقصد به ما يحدث بين البنوك والأفراد من تحديد نسبة معينة يأخذها صاحب المال بعد مدة معينة زيادة على رأس ماله، وهذا هو عين الربا.
ثم يقول هذا التحديد فيه منفعة لصاحب المال ولصاحب العمل؛ فهل كل مصلحة يرى فيها الناس منفعة لهم يبيحها الشرع؟
الواقع أن هناك كثيرا من الأشياء التي نص الشارع على أن فيها منافع للناس، ومع ذلك نص على تحريمها مثل الخمر والميسر، قال تعالى:"يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما" (البقرة: 219) . فقوله تعالى:"ومنافع للناس"يدل على تحقق المنفعة لهم، ومع هذا لا يستطيع أحد أن يقول: إنها حلال.
ثم يقول: هذا التحديد يعرف صاحب المال حقه؛ فهل يصير الربا حقًا يبني عليه الإنسان حياته ويرتب عليه معايشه؟ فما إن يأخذ المال يجعل نصب عينه الدين الذي عليه، بالإضافة للزيادة التي اشترطت عليه؛ فهي كلها من الدين، وعليه سدادها في مدة معينة، ثم يجتهد ويعمل مرة أخرى في المال ليحقق مكسبًا له أيضًا، وهو وحده يضمن المال إن خسر؛ لأنه لا شأن لصاحب المال به؛ لأنه يأخذ الربح ولا يتحمل الخسارة، وذلك هو الربا.
الدليل السادس:
يرى الدكتور محمد سيد طنطاوي أن هذا التحديد للربح مقدمًا، لا يتعارض مع احتمال الخسارة من جانب المستثمر وهو المصرف أو غيره؛ لأنه من المعروف أن الأعمال التجارية المتنوعة إن خسر صاحبها في جانبٍ رَبِح في جوانب أخرى، وبذلك تغطي الأرباح الخسائر. واستشهد بقول ابن قدامة في المغني: إن العامل في المضاربة إذا اشترى سلعتين فربح في أحدهما وخسر في الأخرى، جُبرت الوضيعة (أي الخسارة) من الربح. (28)
هذا الدليل -كما وضحنا- يتناقض مع الدليل الرابع، ونحن الآن بصدد مناقشته في قوله: إن خسر صاحبها في جانب ربح في جوانب أخرى، وبذلك تغطي الأرباح الخسائر. فمعنى هذا أن النقود في المصرف مختلطة؛ فمن دفع كثيرًا يتساوى مع من دفع قليلًا في مقدار النسبة على رأس المال؛ فما ذنب من ربحت أمواله حتى يؤخذ من ربحه لتغطية خسارة غيره؟
ثم إن المقطوع به في الدراسات الاقتصادية:"أنه لا صلة بين سعر الفائدة وربح المدين أو خسارته، ولا بين سعر الفائدة والتضخم، بل إن الفائدة من أهم عوامل التضخم". (29) وهذه الفائدة لا تتحدد بنسبة الربح والخسارة بل يتأثر تحديدها بعدة عوامل، منها:"القوانين التي تضعها الدولة، والمصالح الشخصية لأصحاب المصارف، والمؤسسات المالية، والمضاربون في سوق الأوراق المالية الذين يخلقون تغييرات مفتعلة في السوق، وحالات الرواج والكساد، وكمية العرض والطلب". (30)
فالفائدة التي تُحدد لا شأن للمقرض خسر ماله أم ربح فيها، إذن هي لا تخضع لمعيار الربح والخسارة، وإنما تخضع للقوانين والمصالح الشخصية وغيرها، فربما تكون نسبة شخص مرتفعة ونسبة الآخر منخفضة، وهذا تحدده العوامل السابقة.
وإذا قلنا: إن الأموال كلها تصب في مصرف واحد مثلا، يضع فلان مبلغا يختلف عن مبلغ الآخر؛ فهل يميز المصرف مبلغ كل منهما أم أنه لا شأن له بهذا التمييز؟ الحقيقة أن المصرف توضع لديه المبالغ فيخلطها في مشروع أو في إقراض آخر دون تمييز.
وهنا يأتي السؤال: هل يجوز عدم التمييز في المال الذي يقارض فيه اثنان واحدًا بنسبة من الربح متفاوتة؟ يرى الفقهاء أن هذه المعاملة غير جائزة إلا بتعيين الأموال المحددة لأشخاص محددين وبتعيين ومعلومية النشاط الذي اشتغلت به الأموال (31) .
فقوله"وإن عينا": يعني أن يعلم أن هذا المال الذي تاجر به في كذا هو مال فلان، وأن ربحه كذا وله فيه ما يتفقان عليه، وأن المال الآخر الذي تاجر به في كذا هو مال فلان، وله من ربحه ما يتفقان عليه.
وينبغي التميز في الشركتين، كما أنه إن خلط مال المضاربة بماله فإن فعل ولم يتميز ضمنه لأنه أمانة. (32)
واستشهاد د. طنطاوي بابن قدامة الواضح أنه في حالة المضاربة من فرد واحد إلى العامل، أما في حالتنا هذه فيقول"ابن قدامة"تحت عنوان"والوضيعة على قدر المال":"يعني الخسران على كل واحد منهما بقدر ماله، فإن كان مالهما متساويا في القدر، فالخسران بينهما نصفين، وإن كان أثلاثا فالوضيعة أثلاث لا نعلم في هذا خلافا بين أهل العلم". (33) وهذا النص أولى بالصواب في حالة البنوك؛ فإذا ما ثبت أن المال فيها مبهم فهي تجمع الأموال كلها، ولا ندري في أي تجارة أو استثمار. (34) وضع مال هذا أو ذاك؛ لأنها لا تقسم الربح بين الأفراد بل تحدد نسبا معينة لهم يأخذونها في حال الربح أو الخسارة، فإذا ما ثبت هذا ثبت فساد هذا النوع من المضاربة؛ لعدم تعيين مال كل واحد من المضاربين.
الدليل السابع:
يقول الدكتور محمد سيد طنطاوي: خراب الذمم مما يجعل صاحب المال تحت رحمة صاحب العمل المستثمر للمال، وهو المصرف أو غيره، والذي قد يكون غير أمين، فيقول مثلا:"ما ربحت شيئا"، وقد ربح الكثير مما يوقع في الظلم الذي تنهي عنه الشريعة. (35) ولدينا هنا تعليقان:
وتقرر القواعد الفقهية أن الأصل براءة الذمة. (36) فلماذا نفترض عدم الأصل؟
وإذا افترضنا جدلا أن المصرف غير أمين، فأيهما أولى الامتناع عن الذهاب إليه والمخاطرة بالمال أم الذهاب إليه؟
الدليل الثامن:
يقول الدكتور محمد سيد طنطاوي: كما تدخل الحكام والفقهاء في تضمين الصناع لما يهلك تحت أيديهم بسبب إهمالهم؛ فلولي الأمر أن يتدخل في عقود المضاربة بتحديد نسبة الربح مقدمًا، وأن يكون رأس المال مضمونًا، وهذا اللون يندرج تحت باب المصالح المرسلة. (37)
نقول: لقد تدخل الفقهاء فعلًا في تضمين الصناع لما تحت أيديهم، وجعلوا علة ذلك الإهمال، فأوجبوا عليه بسبب إهماله ضمان المال. وهذا ضمان لصاحب المال من عبث العابثين من ناحية، ومن ناحية أخرى يجعل الصانع يعمل بجد، ويحافظ على ما في يده دون ظلم. فإن كان الهلاك بسبب خارج عن إرادته دون إهمال منه فلا شيء عليه. (38)
ومسألة وضع المال في المصرف وغيره بعيدا عن هذا الوضع؛ فهو يحدد الربح مقدمًا، ويضمن رأس ماله كاملًا، لا يعرضه للهلاك؛ فهو يضعه في مصرف، ويعلم علم اليقين أنه سوف يأخذ أصل ماله مع زيادة متفق عليه.