وليس معنى هذا أن الشريعة تقف حائلا دون خبرات الناس وتجاربهم فيما يظنون فيه مصلحة البشرية، بل كثير من نصوص الشريعة تدعو الناس للعلم والتفكر، ولكن الشارع سبحانه يعلم ما لا نعلم؛ فقد يظن العلماء أن مصلحة الناس سوف تتحقق في أمر من الأمور، يختلفون في إثباته ويتفقون، ويعلم الله تعالى غير ذلك فجعل -سبحانه- من قواعد الشريعة ما ينهى عنه رعاية للمصالح وإصلاحا للنفوس، فنحن لا نتهم نصوص الشريعة بل نتهم إفهام الناس التي كثيرا ما تتعرض للهوى أو النظرات الجانبية، وليست الكلية.
الدليل الثالث:
يقول الدكتور طنطاوي لا يوجد نص شرعي يمنع من أن يقوم أحد المتعاقدين في المضاربة بتحديد ربح مقدمًا، وبناء على ذلك لا مانع من أن يقوم المصرف المستثمر للمال بتحديد ربح معين في عقد المضاربة، الذي يكون بينه وبين صاحب المال الذي يضعه في المصرف بنية وبقصد الاستثمار فيما أحله الله تعالى. (19)
نوضح أولا أن ما يحدث بين المصرف وصاحب المال ليس عقد مضاربة؛ لأن حقيقة المضاربة تختلف عن القرض الذي يحدث بين المصرف كجهة وغيره من جهة أخرى؛ فالمصرف يتعامل بالربا على القرض الذي يأخذه أو يمنحه، والمضاربة تختلف عن ذلك، ولكي تتضح المسألة جيدا ينبغي أن أوضح طبيعة الفرق بين القرض والمضاربة.
فمن حيث الطبيعة:
نجد أن القرض يُحدد له فائدة ربوية تبعا للمبلغ المقترض والزمن الذي يستغرق القرض، كأن يكون (10%) أو أكثر أو أقل من رأس المال سنويا، بغض النظر عما ينتج عن هذا القرض من كسب كثير أو قليل أو خسارة، وهو ما يفعله المصرف.
أما في المضاربة، فالربح الفعلي يقسم بين صاحب رأس المال والمضارِب بنسبة متفق عليها، والخسارة من رأس المال وحده، ولا يأخذ العامل شيئا في حالة الخسارة ولا في حالة عدم وجود ربح، هذا من ناحية طبيعة العقد.
ومن حيث العلاقة بين طرفي العملية الاقتصادية:
في القرض نجد العلاقة بين صاحب القرض وآخذه ليست من باب الشركة؛ فصاحب القرض له مبلغ معين محدد، ولا شأن له بعمل من أخذ القرض، ومن أخذ القرض يستثمره لنفسه فقط؛ حيث يملك المال، ويضمن رد مثله مع الزيادة الربوية، فإن كسب كثيرا فلنفسه، وإن خسر فيتحمل وحده الخسارة.
أما المضاربة فهي شركة فيها الغُنْم والغرم للاثنين معا؛ فالمضارب لا يملك المال الذي بيده، وإنما يتصرف فيه كوكيل عن صاحب رأس المال والكسب مهما قل أو كثُر، يقسم بينهما بالنسبة المتفق عليها، وعند الخسارة يتحمل صاحب المال الخسارة المالية، ويتحمل العامل ضياع جهده وعمله، ولا ضمان على المضارب (20) إلا إذا ثبت إهماله وتسببه في هلاك ما بيده.
ويمكن مناقشة هذا الدليل من خلال نقطتين:
الأولى: أن الشرع لا يمنع من تحديد الربح مقدمًا في عقد المضاربة.
الثانية: أن يضع الإنسان ماله في المصرف، ويقصد بذلك الاستثمار.
مناقشة النقطة الأولى:
الشرع لا يمنع من تحديد الربح مقدمًا في عقد المضاربة: نص كثير من الفقهاء على عدم جواز المضاربة إذا تم تحديد أو اشتراط جزء معين من الربح، بل وحكى ابن المنذر الإجماع على بطلان المضاربة إذا اشترط كل واحد منهما لنفسه أو أحدهما شيئا دون الآخر، فقال:"أجمع كل من نحفظ عنه على إبطال القراض إذا جعل أحدهما أو كلاهما لنفسه دراهم معلومة". (21) وهذا الإجماع نجده في كلام الفقهاء كما يقول الإمامان مالك (22) والشافعي (23) .
النقطة الثانية:
أن يضع الإنسان ماله ويقصد الاستثمار: إن ما يحدث بين المصرف وصاحب المال تحت أي مسمى طالما أنه بفائدة محددة سلفا مقابل أجل محدد فهو ربا؛ وذلك لأن:"علة التحريم منصبة على كونها زيادة محددة سلفا مقابل أجل محدد سواء كان أصل المعاملة قرضا أو دينا أو بيعا؛ فمتى وجدت الزيادة المحددة مقابل الأجل المحدد، فذلك هو الربا بصرف النظر عن أصل هذه المعاملة ولا تأثير لأمرين:"
الأول: كون أصل هذه المعاملة قرضا أو دينا أو استثمارا.
الثاني: كون الزيادة مقابل الأجل شيئا متفقا عليه من أول المعاملة، أو هو شيء يستحدث بين الطرفين عند عدم الدفع حين يأتي أجله. (24)
فلا ينفع هنا تغير النية طالما أن العلة وهي الزيادة مقابل الأجل موجودة.
الدليل الرابع:
يرى الدكتور محمد سيد طنطاوي ضمن أدلته أن المصرف -وهو الطرف الذي يدفع الفائدة، ويقع عبئها على عاتقه- لم يحدد الربح مقدمًا إلا بعد دراسة مستفيضة ودقيقة لأحوال الأسواق العالمية والمحلية وللأوضاع الاقتصادية في المجتمع، ولظروف كل معاملة ولنوعها ولمتوسط أرباحها... إلخ.
وهذا التحديد فضلا عن كل ذلك، يتم بتعليمات وتوجيهات من المصرف المركزي الذي يعد بمنزلة الحكم بين البنوك وبين المتعاملين معها. (25)
إن هذه الدراسة المستفيضة التي تحدد الربح مقدمًا، حيث يأخذ صاحب المال المكسب ولا يخسر شيئا قول لا تسنده الحقائق؛ فالبنوك المركزية نفسها، وهي التي تعطي تعليمات وتوجيهات بنسبة الفائدة لا تستطيع دفع ودائع مصرف بأكمله إذا ما تعرض للإفلاس. فمعلوم أن قوانين البنوك المركزية تمنعها من الاستثمار المباشر إلا بنسب ضئيلة جدًّا في بعض البلدان. وهي تأخذ من البنوك الأخرى نسبة احتياطي للودائع لا تزيد في غالب الأحوال عن (25%) . فمن أين تدفع البنوك المركزية ودائع مصرف بأكمله إذا ما تعرض للإفلاس، وإن الواقع يؤكد ذلك حتى في أمريكا ذاتها معقل النظام الرأسمالي القائم على الربا. فالمصرف المركزي يضع الخطط ويحدد الفوائد، ولا يستطيع جبر خسارة مصرف واحد من البنوك الأخرى؛ لأنه -قانونًا- ممنوع من الاستثمار المباشر، كما أنه يعتمد على الوساطة المالية وعلى نسبة (25%) من احتياطي الودائع في البنوك الأخرى، فإن كان لا يستطيع جبر خسارة مصرف واحد فكيف نثق في قدراته وتعليماته؟
ثم هل هذه التعليمات والتوجيهات والدراسات الدقيقة، التي تتعهد بوجود الربح لا الخسارة.. هل هذه التعليمات وهذا الربح يغير من حقيقة المعاملة وحقيقتها في كونها من الربا؟
ثم إن هذه الدراسة المستفيضة الدقيقة التي يتحدد في إطارها الربح ليست دائمًا دقيقة؛ فكثير من البنوك الربوية لم تستطع ضمان الودائع مع أرباحها، ونضرب مثلا على عدد من البنوك الربوية التي أغلقت وأشهرت إفلاسها في أمريكا وحدها.
عدد البنوك التي أغلقت وأشهرت إفلاسها
العام
أربعة آلاف مصرف
سبعة وسبعون مصرفا
تسعة عشر مصرفا
مائة وعشرون مصرفا
مائة وواحد وثلاثون مصرفا
مائة وواحد وأربعون مصرفا
1933م
1983م
1984م
1985م
1986م
1987م
وعن الخسائر في بعض البنوك الأمريكية وحدها في 1987م وحده ما يلي:
اسم المصرف أو المؤسسة
احتياطي الديون المعدومة
ستيركوربوريشن
مصرف أمريكا
تشيس مانهاتن
مانوفكتشرهانوفر
ستيكورب (أكبر مؤسسة مصرفية أمريكية)
3 مليارات دولار
1.1 مليار دولار
1.6 مليار دولار
1.7 مليارات دولار
3 مليارات دولار، 3 مليارات دولار، وذلك في النصف الأول من عام 1987. (26)
وفي مصر الكثير والكثير من الخسائر المصرفية، وأشهرها ما حدث في مصرف التنمية والتجارة عام 1995م، ومن هنا يتبين أن هذا الدليل الذي أقام عليه فضيلته وجهة نظره من ناحية أن البنوك أرباحها مضمونة، وأنها لا تفلس لأنها تقوم على دراسات مستفيضة، دعوى يسقطها الواقع بل ويثبت نقيضها.