فهرس الكتاب

الصفحة 1118 من 1226

وهي كل معاملة لم يرد فيها نص شرعي بإلغائها أو تحريمها، ونحن مع فضيلة الدكتور طنطاوي تماما في هذا طالما أنها لم تخرج عن روح الشريعة؛ بمعنى ألا يشوبها غش ولا ظلم ولا سرقة ولا ربا، ولا غير ذلك مما حرمه الله تعالى.

(ج) تراضي الطرفين:

وهو القيد الذي وضعه فضيلته لكي تصح المعاملات الاقتصادية بين الناس، ولنا أن نتساءل: هل كل معاملة يتراضى بها الطرفان يبيحها الشرع؟ هل كل عقد من العقود يرضى به الطرفان يعتبر جائزا، طالما أن الأمر ليس عقيدة أو عبادة؟ الإجابة بالطبع لا.

إن الشريعة تهتم بالصيغة أو الصورة التي يتم بها العقد وتحكم عليه، وللدكتور يوسف القرضاوي مثل يوضح ذلك جيدا، وهو: أن صورة الاتفاق مهمة جدا في حكم الشرع فيقول:"لو قال رجل لآخر أمام ملأ من الناس: خذ هذا المبلغ، واسمح لي أن آخذ ابنتك لأزني بها -والعياذ بالله- فقبل، وقبلت البنت لكان كل منهما مرتكبا منكرا من أشنع المنكرات، ولو قال له: زوجنيها وخذ هذا المبلغ مهرا فقبل، وقبلت البنت لكان كل من الثلاثة محسنا". (6)

والذي يتدبر تعريفات الفقهاء والعلماء للربا يوقن أن التراضي بالزيادة على رأس المال لا يغير في حقيقة أنه ربا، فيقول الجصاص:"والربا الذي كانت العرب تعرفه وتفعله إنما كان قرض الدراهم والدنانير إلى أجل بزيادة على مقدار ما استقرض على ما يتراضون به". (7) فهل التراضي مع مصرف من البنوك بوضع مبلغ معين لديه مقابل فائدة أو عائد معين في الشهر أو العام زيادة على رأس المال يخرج عن هذا؟

وإذا كان فضيلته يخصص هذا التراضي"بحدود شريعة الله تعالى التي شرعها سبحانه لرعاية مصالح الناس" (8) فهل الشريعة تبيح هذا النوع من التعامل حتى مع التراضي؟ ويجدر بنا أن نذكر هنا أن فضيلته ذكر نص الإمام الجصاص في كتابه معاملات البنوك. (9) كنص من النصوص التي نقلها من كتاب"الربا والمعاملات في الإسلام"للشيخ محمد رشيد رضا كدليل على أن هذا هو ربا الجاهلية.

أليس معنى هذا النص هو القرض أو الاقتراض إلى أجل معين بزيادة معينة على رأس المال المقترض بتراضي الطرفين؟ وهذا هو ما تفعله البنوك الربوية.

الدليل الثاني:

قياسه بجواز تحديد الربح مقدمًا بأمر من ولي الأمر على ما قاله الفقهاء في التسعير، وذلك إذا اقتضت مصلحة الناس هذا؛ وذلك رعاية لمصالح الناس، وحفظا لأموالهم وحقوقهم، ومنعا للنزاع والخصام بين البنوك والمتعاملين معها. (10)

لقد بدأ فضيلته هذا الدليل بمقولة لا يجادل فيها أحد، وهي أن الشريعة الإسلامية تقوم على رعاية مصالح الناس في كل زمان ومكان. (11) وقد تبدو هذه الرعاية في ظاهرها مخالفة لبعض النصوص الواردة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، واستشهد في ذلك بحديث التسعير، حيث لم يسعر الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولكن بعض الفقهاء رعاية لمصالح الناس ودرءًا لمفسدة (جشع) التجار أباحوا التسعير، وهذا كلام جيد، ولكن أن يصل إلى فرض نسبة معينة من الربح كعائد على الأموال عن طريق الحاكم قياسا على كلام الفقهاء هذا درءا للظلم والمفسدة، فالقياس هذا لا ينقاس، لأن المقيس عليه ليس نصا من القرآن والسنة، فالقياس الذي يتوسعون فيه أحيانا مقيد بأن يكون المقيس عليه نصا من الشارع، أي من الوحي كتابا أو سنة، أما أن يقاس على مقيس؛ يعني أن تأتي على أمر أجزناه قياسا على شبيهه بجامع العلة بينهما، فتأتي على أمر آخر لا يجتمع مع الأصل المقيس عليه في علته. (12) ولكن له شبه من بعض الوجوه بالمقيس فنجعل هذا المقيس أصلا، ونقيس عليه مقيسًا آخر لوجه شبه بينهما، ولا يكفي ولا يرقى إلى مستوى العلة الجامعة بين المقيس الثاني وبين المقيس عليه الأول. (13)

ولو أجرينا أركان القياس على موضوعنا لوجدنا أن الأصل الذي اعتمد عليه فضيلته هو كلام كثير من الفقهاء في إباحة تحديد السعر رفعا للظلم، والفرع هو إباحة أن يحدد الحاكم أرباح البنوك، والعلة -كما يقول- هي رفع الظلم، والحكم هو الإباحة.

وإذا نظرنا إلى الركن الثالث، وهو العلة، لوجدناها مختلفة، يقول أستاذنا الدكتور/ محمد بلتاجي حسن:"إننا مهما تأملنا آيات القرآن الكريم الواردة في الربا، وما يتصل بها من أحاديث السنة، وأسباب النزول؛ فلن نجد فيها ما يشير من قرب أو بعد إلى ما قام في أذهانهم من أن الله حرم ربا الجاهلية لمحض ما كان يتضمنه من استغلال الفقير وظلمه. وقد يرى العقل البشري أن هذا كان من جملة الحكم التي روعيت في التحريم، ولكن لا يستطيع أحد الجزم بأن مناط علة التحريم في منع استغلال حاجة الفقير وظلمه. ومن يراجع كتب التفسير سيجد أن الظلم الوارد في الآيات إنما هو مطلق الزيادة على الحق بصرف النظر عن حال الدائن والمدين، ورغبة كل منهما ومصلحته في الصفقة الربوية، (ويحدد ما سبق مؤكدا) أن الظلم يكمن في مطلق الزيادة على الحق مقابل تأجيل الزمن. (14) "

ويقول الدكتور فتحي لاشين (المستشار بمحاكم مصر سابقا) :"إذن فعلة الربا أنه زيادة متولدة من دين، ويتميز الدين أنه ثابت في الذمة مضمون الرد بمثله". (15)

يثبت بهذا اختلاف العلة التي قاس عليها الدكتور طنطاوي تحديد الفوائد بفعل ولي الأمر، بإجازة التسعير بفعل الفقهاء، وذلك بعلة الاستغلال والظلم، وإذا ثبت أنه لا بد من اتحاد العلة في الأصل والفرع حتى يصح القياس وإلا فلا -وهذا ثابت-، فمن شروط العلة المقبولة:"ألا تكون علة الحكم في الأصل المقيس عليه غير العلة التي علق عليها الحكم في الفرع؛ فلا بد من أن تكون العلة في الأصل الذي ثبت حكمه بنص أو إجماع هي العلة التي علق عليها الحكم في الفرع حتى يتحقق الوصف الجامع بين الأصل والفرع، فإذا كانت علة حكم الفرع لم يعلل بها الحكم في الأصل، ولم يتعلق بها فلا يجوز القياس، وهذا هو رأي الجمهور، وحتى أصحاب الرأي يشترطون تحقق المماثلة في العلة (16) ."

وإذا ثبت هذا -وهو ثابت- استطعنا أن نحكم أن قياس الدكتور طنطاوي هنا لا يجوز، أو كما يقول الأصوليون قياس لا ينقاس.

ولأن الضرورة في مسألة التسعير تبدو واضحة وملحة؛ حيث إن الاحتكار وغلاء السلع أمر يتعلق بأقوات الناس ومعاشهم، أباح الفقهاء التسعير رفعا للضرر الذي يقع على الناس، ولكن أين الضرورة في أن يضع الإنسان ماله في مصرف من البنوك ليزداد دون تعرضه لضمان النقصان أو لمخاطر الخسارة؟

رعاية مصالح الناس:

في قوله:"فإن لولي الأمر إذا رأى -بعد استشارة أهل الخبرة- أن مصلحة الناس تقتضي أن تحدد البنوك الأرباح مقدمًا لمن يتعاملون معها، فله أن يكلفها بذلك رعاية لمصالح الناس...". (17)

فنرى هنا نظرة تتجه نحو المعتزلة وفكرها الذي يقدم العقل على الشرع، فلا يصح مطلقا أن تحكم خبرات الناس والعلماء في الشريعة أو الأحكام، بل هي التي تتحكم فيما يصلون إليه، وتحكم بصحته وفساده"فلا يجوز الاعتماد على ما قد يراه علماء الاقتصاد وخبراء التجارة من أن الربا لا بد منه لتنشيط الحركة التجارية والنهوض بها، إذ لو صح ذلك لكانت الشريعة محكومة بخبرات الناس وأفكارهم وتجاربهم الشخصية، ولما صح أن المصلحة فرع عن الدين فهي محكومة به ضبطا بل متوقفة عليه وجودا". (18)

فمهما ظن إنسان أن مصلحته في أمر من الأمور، فلا بد أن يقيس هذا الأمر على نصوص الشريعة ومقاصدها، فإن وافقها فيقدم وإلا فلا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت