لذلك أرجوا أن يؤجل النقاش في هذا المبحث، علمًا بأن باب النقاش مفتوح فيما يتعلق بالمبحث الأول (الربا)
ودائع البنوك الربوية عقد قرض (شرعًا وقانونًا) مهم جدًا
أكثر من تكلم عن ودائع البنوك اعتبرها قرضًا، والبعض يقول عن فوائد هذه الودائع بأنها أجرًا لاستعمال النقود أي أنها ببساطة إجارة! بينما الشائع عند المتعاملين العاديين مع البنوك الربوية أنها وديعة"حيث يقال: نحن لانقرض البنك وإنما نودع لديه."
ما هي حقيقة ودائع البنوك الربوية؟
هل هي قرض؟ أم وديعة؟ أم هي عقد إجارة؟
قبل أن نبين ذلك، فلنستعرض الفرق بين هذه العقود الثلاثة في الفقه الإسلامي، من حيث الحقوق والواجبات والضمان.
عقد القرض
عقد القرض ينقل الملكية للمقترض، وله أن يستهلك العين، ويتعهد برد المثل لا العين.
والمقترض ضامن للقرض إذا تلف أو هلك أو ضاع، يستوي في هذا تفريطه وعدم تفريطه.
الوديعة
الوديعة هي أمانة تحفظ عند المستودع. وإذا هلكت إنما تهلك على صاحبها لأن الملكية لا تنقل إلى المستودع، وليس له حق الانتفاع بها، ولذلك فهو غير ضامن لها؛ إلا إذا كان الهلاك أو الضياع بسبب منه.
الإجارة
عقد الإجارة لا ينقل الملكية للمستأجر وإنما يعطيه حق الانتفاع مع بقاء العين لصاحبها، ويدفع أجرًا مقابل هذا الانتفاع، ولذلك يطلق على الإجارة: بيع المنافع فتجوز إجارة كل عين يمكن أن ينتفع بها منفعة مباحة مع بقاء العين بحكم الأصل، ولا تجوز إجارة ما لا يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه كالطعام، فلا ينتفع به إلا باستهلاكه.
والإجارة عقد على المنافع، فلا تجوز لاستيفاء عين واستهلاكها، ومثل الطعام النقود، فلا يمكن الانتفاع بها إلا بإنفاقها في الشراء أو غيره، أي باستهلاك العين. والعين المستأجرة أمانة في يد المستأجر، إن تلفت بغير تفريط لم يضمنها.
تسمية بغير حقيقتها
وهنا بعد أن عرفنا العقود الثلاثة آنفة الذكر في الفقه الإسلامي، فإنه يتوجب علينا أن نسأل:
من هو الضامن في عقد الوديعة مع البنك الربوي؟
إنه البنك، سواء بتفريط منه أو بغير تفريط.
هل يستهلك البنك الربوي العين (الأموال) ؟
نعم
هل يتعهد البنك بِرَد العين أم بِرَد المثل؟
إنه يتعهد برد المثل لا العين، حيث أنه لا يرجع الأموال عينها إلى العميل بنفس الأرقام التسلسلية، بل يرجع ما يماثلها من أموال.
والآن ... أي العقود السابقة ينطبق على عقد ودائع البنوك الربوية على ضوء الإجابات السابقة؟
إنه قطعًا عقد القرض.
فمن يودع لدى البنوك الربوية ودائع ذات فائدة، إنما هو يُقرض البنك الربوي قرضًا ربويًا.
ومن يودع لدى البنك الربوي وديعة دون فائدة (أو أي حساب بدون فوائد) إنما هو يقرض البنك الربوي قرضًا حسنًا، أي كأنما يقرض مُرابيًا قرضًا حسنًا ليرابي بهذه الأموال.
وهنا يتبين لنا أن الودائع البنكية في البنوك الربوية سميت بغير حقيقتها، وهذا ما يقطع الشك باليقين عن حكم هذه الودائع وخصوصًا إذا ما ربطنا هذه الحقيقة بالجزء السابق والذي أثبت لنا قطعًا أن مصدر الدخل الرئيسي للبنوك الربوية هو الإقراض بالربا.
ودائع البنوك الربوية في القانون
بعد أن عرفنا حقيقة الودائع البنكية لدى البنوك الربوية في الشرع، فإننا سنبين حقيقتها في القانون.
علمًا بأننا لانحتاج إلى القانون الوضعي ليفتي لنا، إلا أن ذلك جاء من باب زيادة الحجة على من يستحل ودائع البنوك الربوية أو فتح حساب لديها.
"يقول الأستاذ دكتور عبد الرزاق السنهوري في كتابه: الوسيط في شرح القانون المدني:"
(( ويتميز القرض عن الوديعة في أن القرض ينقل ملكية الشيء المقتَرض إلى المقرض على أن يرد مثله في نهاية القرض إلى المُقرض، أما الوديعة فلا تنقل ملكية الشيء المودَع إلى المودَع عنده، بل يبقى ملك المودٍع ويسترده بالذات. هذا إلا أن المقترض ينتفع بمبلغ القرض بعد أن أصبح ملكًا له، أما المودَع عنده فلا ينتفع بالشيء المودَع بل يلتزم بحفظه حتى يرده إلى صاحبه.
ومع ذلك فقد يودع شخص عند آخر مبلغًا من النقود أو شيئًا آخر مما يهلك بالاستعمال ويأذن له باستعماله، وهذا ما يسمى بالوديعة الناقصة.
وقد حسم التقنين المدني الجديد الخلاف في طبيهة الوديعة الناقصة، فكيفها بأنها قرض. وتقول المادة 726 مدني في هذا المعنى: إذا كانت الوديعة مبلغًا من النقود أو أي شيء آخر مما يهلك بالاستعمال، وكان المودَع عنده مأذونًا له في استعماله اعتبر العقد قرضًا.
أما في فرنسا فالفقه مختلف في تكييف الودائع الناقصة. والرأي الغالب هو الرجوع إلى نية المتعاقدين؛ فإذا قصد صاحب النقود أن يتخلص من عناء حفظها بإيداعها عند الآخر فالعقد وديعة. أما إن قصد الطرفان منفعة من تسلم النقود عن طريق استعمالها لمصلحته فالعقد قرض. ويكون العقد قرضًا بوجه خاص إذا كان من تسلم النقود مصرفًا. ))""
وهنا تتجلى الحقيقة، فتسمية الأمور بغير مسمياتها قد تخدع البعض، إلا أنها لايمكن أن تمحو الحقيقة.
المبحث الثاني: معاملات البنوك
إن الحمد لله، نحمده ونستغفره ونستعين به، ونصلى ونسلم على نبينا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين
وبعد ...
سوف نناقش في هذا المبحث طبيعة عمل البنوك الربوية، وإذا ما كانت تساهم في العملية الإنتاجية، بالإضافة إلى ماهية ودائع البنوك من وجهة نظر الشرع والقانون.
نبدأ على بركة الله
طبيعة عمل البنك
"جاء في المعجم الوسيط لمجمع اللغة العربية هذا التعريف للبنك:"
البنك: مؤسسة تقوم بعمليات الائتمان بالإقراض والاقتراض.
وفي الموسوعة العربية الميسرة:
مصرف أو بنك: تطلق هذه الكلمة بصفة عامة على المؤسسات التي تتخصص في إقراض واقتراض النقود.""
أما تعريف البنك كما جاء في موقع www.investopedia.com (أشهر موسوعة إقتصادية على الشبكة) :
أي:
"مؤسسة تجارية مسجلة كمستقبلة للودائع. وظيفة البنوك الرئيسية تعنى بخلق واستقبال المدفوعات كما أنها توفر القروض قصيرة الأجل للأفراد"
هذه التعريفات السابقة تلخص طبيعة عمل البنك.
ما ذكر أعلاه هو التعريف الاصطلاحي، فماذا عن مفهوم البنك عند أساتذة الاقتصاد؟
مفهوم البنك عند الاقتصاديين
"يقول الدكتور إسماعيل محمد هاشم في كتابه مذكرات في النقود والبنوك (ص43) :"
(( يمكن تعريف البنك بأنه المنشأة التي تقبل الودائع من الأفراد والهيئات تحت الطلب أو لأجل، ثم تستخدم هذه الودائع في منح القروض والسلف ) ).
ويقول الدكتور محمد زكي شافعي في كتابه مقدمة في النقود والبنوك (ص197) :
(( يمكن تلخيص أعمال البنوك التجارية في عبارة واحدة هي: التعامل في الائتمان أو الاتجار في الديون؛ إذ ينحصر النشاط الجوهري للبنوك في الاستعداد لمبادلة تعهداتها بالدفع لدى الطلب بديون الآخرين، سواء أكانوا أفراد أم مشروعات أم حكومات، ويقبل الأفراد هذه التعهدات المصرفية -وهي التي تعرف باسم الودائع الجارية- في الوفاء بما تزودهم به البنوك من اعتمادات وسلف؛ نظرًا لما يتمتع به التعهد المصرفي بالدفع لدى الطلب من قبول عام في تسوية الديون. وهكذا تتوسل البنوك التجارية إلى مزاولة نشاطها الذي تبرز به وجودها، وتستمد من القيام به أرباحها، بالاضطلاع تارة بمركز الدائن، وتارة بمركز المدين ) ).
ويقول الدكتور محمد يحيى عويس في كتابه محاضرات في النقود والبنوك (ص233) :