وَكَذَلِكَ الْمِيزَانُ". وَشَهِدْنَا بِشَهَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ عليه السلام لَوْ أَرَادَ غَيْرَ هَذَا لَبَيَّنَهُ وَوَضَّحَهُ حَتَّى يَفْهَمَهُ أَهْلُ الإِسْلاَمِ وَلَمْ يَكِلْنَا إلَى ظَنِّ أَبِي حَنِيفَةَ وَرَأْيِهِ , الَّذِي لاَ رَأْيَ أَسْقَطُ مِنْهُ , وَلاَ إلَى كَهَانَةِ أَصْحَابِهِ الْغَثَّةِ الَّتِي حُلْوَانُهُمْ عَلَيْهَا الْخِزْيَةُ فَقَطْ , قَالَ تَعَالَى لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ , وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ فَسَقَطَ تَمْوِيهُهُمْ بِهَذَا الْخَبَرِ وَلِلَّهِ تَعَالَى الْحَمْدُ. وَالْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ مِنْ قَوْلِهِمْ فِي الْبَيِّنِ الْوَاضِحِ مِنْ نَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ أَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ الَّتِي فِي رُءُوسِ النَّخْلِ وَلَيْسَ هَذَا فِي شَيْءٍ مِنْ الأَخْبَارِ ; لأََنَّ ذَلِكَ خَبَرٌ وَهَذَا آخَرُ. وَيَأْتُونَ إلَى مُجْمَلٍ لاَ يَفْهَمُ أَحَدٌ مِنْهُ إِلاَّ مَا فَسَّرَهُ عليه السلام فِي مَكَان آخَرَ , فَيَزِيدُونَ فِيهِ وَيُفَسِّرُونَهُ بِالْبَاطِلِ , وَبِمَا لاَ يَقْتَضِيهِ لَفْظُهُ عليه السلام أَصْلًا."
وَأَمَّا حَدِيثُ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ: لاَ يَصْلُحُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ , فَإِنَّهُمْ قَالُوا: هَذَا عُمُومٌ لِكُلِّ مَكِيلٍ.
قال أبو محمد رحمه الله: وَهَذَا خَبَرٌ اخْتَصَرَهُ مَعْمَرٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ , أَوْ وَهَمَ فِيهِ بِيَقِينٍ لاَ إشْكَالَ فِيهِ , فَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو , أَوْ وَهَمَ فِيهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا قَبْلُ ; لأََنَّ هَذَا خَبَرٌ رَوَاهُ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ بِإِسْنَادِهِ: الأَوْزَاعِيُّ , وَهِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ , وَشَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ وَلَيْسَ هِشَامٌ , وَالأَوْزَاعِيُّ , دُونَ مَعْمَرٍ , إنْ لَمْ يَكُنْ هِشَامٌ أَحْفَظَ مِنْهُ. فَرُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ أَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ، عَنْ شَيْبَانَ
وَمِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا هِشَامُ بْنُ أَبِي عَمَّارٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ حَمْزَةَ أَنَا الأَوْزَاعِيُّ وَ
حدثنا حمام أَنَا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ أَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ أَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ ، أَخْبَرَنَا مُسَدَّدٌ أَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ أَنَا هِشَامٌ هُوَ الدَّسْتُوَائِيُّ كُلُّهُمْ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَانِ بْنِ عَوْفٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: لاَ صَاعَيْ تَمْرٍ بِصَاعٍ , وَلاَ صَاعَيْ حِنْطَةٍ بِصَاعٍ , وَلاَ دِرْهَمَيْنِ بِدِرْهَمٍ. قَالَ الأَوْزَاعِيُّ فِي رِوَايَتِهِ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَانِ حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ وَهَذَا هُوَ خَبَرُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو نَفْسُهُ."
قال أبو محمد رحمه الله: فَأَسْقَطَ مَعْمَرٌ ذِكْرَ التَّمْرِ , وَالْحِنْطَةِ. وَمِنْ الْبَيَانِ الْوَاضِحِ عَلَى خَطَأِ مَعْمَرٍ الَّذِي لاَ شَكَّ فِيهِ: إيرَادُهُ اللَّحْنَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي هَذَا الْخَبَرِ بِقَوْلِهِ: لاَ يَصْلُحُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ وَوَاللَّهِ مَا قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَطُّ , إِلاَّ أَنْ يُشِيرَ إلَى شَيْءٍ , فَيَكُونُ ضَمِيرُهُ فِي"لاَ يَصْلُحُ"لاَ سِيَّمَا وَالأَوْزَاعِيُّ يَذْكُرُ سَمَاعَ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ , وَسَمَاعَ أَبِي سَلَمَةَ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ , لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ مَعْمَرٌ وَهَذَا لاَ يَكْدَحُ عِنْدَنَا شَيْئًا , إِلاَّ إذَا كَانَ خَبَرًا وَاحِدًا اخْتَلَفَ فِيهِ الرُّوَاةُ , فَإِنَّ رِوَايَةَ الَّذِي ذَكَرَ السَّمَاعَ أَوْلَى , لاَ سِيَّمَا مِمَّنْ ذَكَرَ بِتَدْلِيسٍ. ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَهُمْ لَفْظُ ابْنِ أَبِي زَائِدَةَ , وَمَعْمَرٍ , بِلاَ زِيَادَةٍ مِنْ غَيْرِهِمَا , وَلاَ بَيَانٍ مِنْ سِوَاهُمَا , لَمَا كَانَ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةٌ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ جِنْسٍ وَاحِدٍ , وَلاَ جِنْسَيْنِ أَصْلًا , وَهُمْ يُجِيزُونَ صَاعَيْ حِنْطَةٍ بِصَاعِ تَمْرٍ , وَبِكُلِّ مَا لَيْسَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ وَهَذَا خِلاَفُ عُمُومِ الْخَبَرِ.
فَإِنْ قَالُوا: فَسَّرَ هَذَا أَخْبَارٌ أُخَرُ
قلنا:
وَكَذَلِكَ فَسَّرَتْ أَخْبَارٌ أُخَرُ مَا أَجْمَلَهُ مَعْمَرٌ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنْ يَقُولَ هَذَا فِي الْقَرْضِ لاَ فِي الْبَيْعِ , نَعَمْ , لاَ يَجُوزُ فِي الْقَرْضِ صَاعَانِ بِصَاعٍ فِي شَيْءٍ مِنْ الأَشْيَاءِ كُلِّهَا ,
وَأَمَّا الْبَيْعُ فَلاَ , لأََنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ. فَإِنْ ادَّعَوْا إجْمَاعًا كَذَبُوا ; لأََنَّهُمْ يُجِيزُونَ صَاعَيْ شَعِيرٍ بِصَاعِ بُرٍّ , وَالنَّاسُ لاَ يُجِيزُونَهُ كُلُّهُمْ , بَلْ يَخْتَلِفُونَ فِي إجَازَتِهِ. وَصَاعَيْ حِمَّصٍ بِصَاعِ لُبْيَاءَ , وَلاَ إجْمَاعَ هَهُنَا , فَمَالِكٌ لاَ يُجِيزُهُ.
فَإِنْ قَالُوا: قَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: فَإِذَا اخْتَلَفَتْ الأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ
قلنا: صَحَّ أَنَّهُ عليه السلام قَالَ: فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ فَإِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الأَصْنَافِ الَّتِي سَمَّى فِي الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَ هَذَا اللَّفْظَ فِي آخِرِهِ .
وَلاَ يَحِلُّ أَنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ عليه السلام قَوْلٌ بِظَنٍّ كَاذِبٍ. وَيَكْفِي مِنْ هَذَا أَنَّهُمْ مُجْمِعُونَ مَعَنَا عَلَى لَفْظَةِ"لاَ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ"لَيْسَتْ عَلَى عُمُومِهَا , فَقَالُوا هُمْ: فِي كُلِّ مَكِيلٍ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ , وَقُلْنَا نَحْنُ: هُوَ فِي الأَصْنَافِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا , فَدَعْوَى كَدَعْوَى. وَبُرْهَانُنَا نَحْنُ: صِحَّةُ النَّصِّ عَلَى قَوْلِنَا , وَبَقِيَ قَوْلُهُمْ بِلاَ
برهان فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِهَذَا الْخَبَرِ وَلِلَّهِ تَعَالَى الْحَمْدُ.
وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَسَاقِطٌ ; لأََنَّهُ ، عَنْ أَبِي جُنَابٍ وَهُوَ يَحْيَى بْنُ أَبِي حَيَّةَ الْكَلْبِيُّ تَرَكَ الرِّوَايَةَ عَنْهُ يَحْيَى الْقَطَّانُ , وَعَبْدُ الرَّحْمَانِ بْنُ مَهْدِيٍّ , وَضَعُفَ , وَذَكَرَ بِتَدْلِيسٍ , ثُمَّ هُوَ ، عَنْ أَبِيهِ وَهُوَ مَجْهُولٌ جُمْلَةً فَبَطَلَ التَّعَلُّقُ بِهِ ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكَانَ الْقَوْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي غَيْرِهِ مِمَّا ذَكَرْنَا آنِفًا مِمَّا خَالَفُوا فِيهِ عُمُومَهُ.