وَكَذَلِكَ سَائِرُ الأَشْيَاءِ. وَلاَ سُبُلَ إلَى أَنْ يُعْرَفَ كَيْفَ كَانَ يُبَاعُ ذَلِكَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَصْلًا , فَحَصَلَ الرِّبَا لاَ يُدْرَى مَا هُوَ حَتَّى يُجْتَنَبَ ، وَلاَ مَا لَيْسَ هُوَ فَيُسْتَعْمَلَ وَصَارَ الْحَرَامُ وَالْحَلاَلُ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى أَمْشَاجًا مُخْتَلِطَيْنِ لاَ يُعْرَفُ هَذَا مِنْ هَذَا أَبَدًا. وَحَصَلَتْ الأَنْوَاعُ الْمَبِيعَةُ كُلُّهَا الَّتِي يُدْخِلُونَ فِيهَا الرِّبَا لاَ يَدْرُونَ كَيْفَ يَدْخُلُ الرِّبَا فِيهَا ، وَلاَ كَيْفَ يَسْلَمُ مِنْهُ نَبْرَأُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ دِينٍ هَذِهِ صِفَتُهُ , هَيْهَاتَ أَيْنَ هَذَا الْقَوْلُ الْكَاذِبُ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى الصَّادِقِ: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَمِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ , قَالَ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ. فَإِنْ رَجَعُوا إلَى أَنْ يَجْعَلُوا لأََهْلِ كُلِّ بَلَدٍ عَادَتَهُ حَصَلَ الدِّينُ لَعِبًا إذَا شَاءَ أَهْلُ بَلَدٍ أَنْ يَسْتَحِلُّوا الْحَرَامَ رَدُّوا كُلَّ مَا كَانُوا يَبِيعُونَهُ بِكَيْلٍ إلَى الْوَزْنِ , وَمَا كَانُوا يَبِيعُونَهُ بِوَزْنٍ إلَى كَيْلٍ فَحَلَّ لَهُمْ بِاخْتِيَارِهِمْ مَا كَانَ حَرَامًا أَمَسَّ مِنْ التَّفَاضُلِ بَيْنَ الْكَيْلَيْنِ , أَوْ بَيْنَ الْوَزْنَيْنِ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ , وَهَذَا بِعَيْنِهِ أَيْضًا يَدْخُلُ عَلَى الْمَالِكِيِّينَ , وَالشَّافِعِيِّينَ ; لأََنَّهُمْ إذَا أَدْخَلُوا الرِّبَا فِي الْمَأْكُولِ كُلِّهِ , أَوْ فِي الْمُدَّخَرِ الْمُقْتَاتِ: سَأَلْنَاهُمْ ، عَنِ الأَصْنَافِ الْمَبِيعَةِ مِنْ ذَلِكَ , وَلَيْسَتْ صِنْفًا , وَلاَ صِنْفَيْنِ , بَلْ هِيَ عَشَرَاتٌ كَثِيرَةٌ: بِأَيِّ شَيْءٍ يُوجِبُونَ فِيهَا التَّمَاثُلَ , أَبِالْكَيْلِ أَمْ بِالْوَزْنِ فَأَيًّا مَا قَالُوا صَارُوا مُتَحَكِّمِينَ بِالْبَاطِلِ , وَلَمْ يَكُونُوا أَوْلَى مِنْ آخَرَ يَقُولُ بِالْوَزْنِ فِيمَا قَالُوا هُمْ فِيهِ بِالْكَيْلِ , أَوْ بِالْكَيْلِ فِيمَا قَالُوا هُمْ فِيهِ بِالْوَزْنِ , فَأَيْنَ الْمُخَلِّصُ أَمْ كَيْفَ يَبِيعُ النَّاسُ مَا أُحِلَّ لَهُمْ مِنْ الْبَيْعِ أَمْ كَيْفَ يَجْتَنِبُونَ مَا حَرُمَ عَلَيْهِمْ مِنْ الرِّبَا وَهَذَا مِنْ الْخَطَأِ الَّذِي لاَ يَحِلُّ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِنَصِيحَةِ نَفْسِهِ. وَذَكَرُوا فِي ذَلِكَ عَمَّنْ تَقَدَّمَ
مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ بُكَيْرٍ ، عَنْ أَبِيهِ سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ شُعَيْبٍ قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إلَى أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ: أَنْ لاَ يُبَاعَ الصَّاعُ بِالصَّاعَيْنِ إذَا كَانَ مِثْلَهُ وَإِنْ كَانَ يَدًا بِيَدٍ , فَإِنْ اخْتَلَفَ فَلاَ بَأْسَ , وَإِذَا اُخْتُلِفَ فِي الدَّيْنِ فَلاَ يَصْلُحُ وَكُلُّ شَيْءٍ يُوزَنُ مِثْلُ ذَلِكَ كَهَيْئَةِ الْمِكْيَالِ.وَمِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ أَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْمُثَنَّى أَنَا جَدِّي هُوَ رَبَاحُ بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ قَالَ فِي الْمَسْجِدِ الأَكْبَرِ: الْعَبْدُ خَيْرٌ مِنْ الْعَبْدَيْنِ وَالأَمَةُ خَيْرٌ مِنْ الأَمَتَيْنِ , وَالْبَعِيرُ خَيْرٌ مِنْ الْبَعِيرَيْنِ , وَالثَّوْبُ خَيْرٌ مِنْ الثَّوْبَيْنِ , فَمَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ فَلاَ بَأْسَ بِهِ , إنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسَاءِ إِلاَّ مَا كِيلَ أَوْ وُزِنَ.
قال أبو محمد رحمه الله: وَزَادَ بَعْضُهُمْ فِي هَذَا الْخَبَرِ: فَلاَ يُبَاعُ صِنْفٌ مِنْهُ بِالصِّنْفِ الآخَرِ إِلاَّ مِثْلًا بِمِثْلٍ
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَا عَبْدُ الأَعْلَى ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ لاَ يَرَى بَأْسًا فِيمَا يُكَالُ يَدًا بِيَدٍ وَاحِدًا بِاثْنَيْنِ إذَا اخْتَلَفَتْ أَلْوَانُهُ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ ، عَنِ النَّخَعِيِّ وَعَنْ رَجُلٍ ، عَنِ الْحَسَنِ , قَالاَ جَمِيعًا: سَلِّفْ مَا يُكَالُ فِيمَا يُوزَنُ ، وَلاَ يُكَالُ , وَسَلِّفْ مَا يُوزَنُ ، وَلاَ يُكَالُ فِيمَا يُكَالُ ، وَلاَ يُوزَنُ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ ، عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: مَا كَانَ مِنْ بَيْعٍ يُكَالُ مِثْلًا بِمِثْلٍ , فَإِذَا اخْتَلَفَتْ فَزِدْ وَازْدَدْ يَدًا بِيَدٍ , وَإِنْ كَانَ شَيْئًا وَاحِدًا يُوزَنُ فَمِثْلًا بِمِثْلٍ , فَإِذَا اخْتَلَفَ فَزِدْ وَازْدَدْ يَدًا بِيَدٍ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: كُلُّ شَيْءٍ يُوزَنُ فَهُوَ يَجْرِي مَجْرَى الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ , وَكُلُّ شَيْءٍ يُكَالُ فَهُوَ يَجْرِي مَجْرَى الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ.
فأما الرِّوَايَةُ ، عَنْ مَعْمَرٍ فَمُنْقَطِعَةٌ , وَعَنِ الْحَسَنِ كَذَلِكَ.
وَأَمَّا قَوْلُ عَمَّارٍ: فَغَيْرُ مُوَافِقٍ لِقَوْلِهِمْ , لَكِنَّهُمْ مَوَّهُوا بِهِ ; لأََنَّهُ لاَ يَخْلُو قَوْلُهُ: إِلاَّ مَا كِيلَ أَوْ وُزِنَ مِنْ أَنْ يَكُونَ اسْتَثْنَاهُ مِنْ النَّسَاءِ الَّذِي هُوَ رِبًا , أَوْ يَكُونَ اسْتَثْنَاهُ مِمَّا قَالَ: إنَّهُ لاَ بَأْسَ بِهِ مَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ , وَلاَ سَبِيلَ إلَى وَجْهٍ ثَالِثٍ , فَإِنْ كَانَ اسْتَثْنَاهُ مِنْ النَّسَاءِ الَّذِي هُوَ رِبًا , فَهُوَ ضِدُّ مَذْهَبِهِمْ عَيْنًا , وَمُوجِبٌ أَنَّهُ لاَ رِبَا إِلاَّ فِيمَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ فِي النَّسِيئَةِ , فَإِنْ كَانَ اسْتَثْنَاهُ مِمَّا لاَ بَأْسَ بِهِ يَدًا بِيَدٍ , فَهُوَ أَيْضًا ضِدُّ مَذْهَبِهِمْ وَمُوجِبُ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ مَا كِيلَ بِمَا وُزِنَ يَدًا بِيَدٍ.
وَأَمَّا الزِّيَادَةُ الَّتِي زَادُوهَا فَلاَ يُبَاعُ صِنْفٌ مِنْهُ بِالصِّنْفِ الآخَرِ إِلاَّ مِثْلًا بِمِثْلٍ فَهُوَ ضِدُّ مَذْهَبِهِمْ عِيَانًا بِكُلِّ حَالٍ.
وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ فَصَحِيحٌ عَنْهُ , وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ خِلاَفُهُ كَمَا ذَكَرْنَا فِي ذِكْرِنَا قَوْلَ الشَّافِعِيِّ , فَلَيْسَ أَحَدُ قَوْلَيْهِ بِأَوْلَى مِنْ الآخَرِ , مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ كَرَاهِيَةُ التَّفَاضُلِ فِيمَا يُكَالُ , وَلاَ يُوَافِقُهُ سَائِرُ أَقْوَالِهِمْ , وَمَا وَجَدْنَا قَوْلَهُمْ يَصِحُّ ، عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُمْ إِلاَّ ، عَنِ النَّخَعِيِّ , وَالزُّهْرِيِّ فَقَطْ فَبَطَلَ كُلُّ مَا مَوَّهُوا بِهِ مِنْ الآثَارِ.
فَإِنْ قَالُوا: لَمْ يَنُصَّ عليه السلام إِلاَّ عَلَى مَكِيلٍ , وَمَوْزُونٍ