فهرس الكتاب

الصفحة 622 من 1226

وتبع ذلك ما أشاعه عدد من المبطلين من المعاملات المحرمة من القمار ونحوه من المعاملات المحرمة ، وقد روى أبو داود في سننه عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إذا تبايعتم بالعِينَة ، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع ، وتركتم الجهاد؛ سلَّط الله عليكم ذُلا ، لا يَنْزِعُهُ حتى ترجعوا إلى دينكم".

وفي لفظ في المسند عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ـ إذا يعني ضَنَّ الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعَينِ، واتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله ـ:"أنزل الله بهم بلاء، فلم يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم" [3] .

وخرَّج البخاري وغيره عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ليأتينَّ على الناس زمانٌ لا يُبالي المرءُ بِمَ أخذ المالَ ، أمِن الحلال أم من الحرام" [4] .

وأما نفوس المسلمين فلا يخفى عليكم اليوم ما يراق من دماء المسلمين، وخاصة تسلط اليهود في فلسطين ، وتسلط النصارى في عدد من بقاع الأرض، واحتلالهم لعدد من بلدان المسلمين.

إنها لحالٌ مؤسفةٌ وأوضاعٌ محزنة ، والمعضلة الكبرى في كل ذلك هو ابتعاد الناس عن دينهم وتعاطيهم للدَّنايا من الأمور ومحرماتها .

أيها الإخوة والأخوات:

في مجتمعنا هذا في هذا البلاد المباركة أفاض الله علينا من الخيرات والبركات وأسبغ علينا نعمه ظاهرةً وباطنة ، وأساس ذلك ورأسه نعمة الدين وظهوره ، فالدين بحمد الله ظاهر وآداب الإسلام مرعية ، وأثمر هذا ما تفضل الله به من حصول الأمن والطمأنينة والوئام بين ولاة الأمر ورعيتهم بسمعهم وطاعتهم ، وهذه نعمة لا يدرك قدرَها إلا من ترحَّلت عنه ، والله سبحانه من سنته أن يقرن في الغالب بين رغد العيش وبين الاجتماع والاتفاق والأمن .

ومن الناس اليوم من يحسدنا على هذه النعم ويسعى لزوالها بإزالة أسبابها ، وخصوصًا سبَبَها الأكبر وهو المحافظة على تشريعات الإسلام وآدابه . ومن أعظم ذلك الاجتماع على من ولاه الله أمرنا والحرص الشديد على الاجتماع والائتلاف.

أيها الإخوة والأخوات:

قضية كبرى تكتنف مجتمعنا اليوم … إنها تلك المساعي الماكرة التي يراد من خلالها وأد الفضيلة ومسخها إلى مظاهر التمدن المأفون والتحضر الممقوت الذي تستساغ معه الرذائل.

لقد ظهر هذا في عدد من الدعوات التي يتزعمها من قلوبهم مرض ومن يتربص بالبلاد وولاتها وأهلها الشرور والآثام ، فالشباب يدعى للهيام بالرذائل وسفاسف الأمور والعادات ، والفتيات يُحرضن من قبل دعاة السوء لركوب موجة الرذيلة التي تعم العالم اليوم ، والناس يشغلون بالتوافه .

ومدار الأمر في هذه القضية على قضية الغيرة والهمة العالية .

أيها المسلمون: إنَّ رعايةَ الأخلاق الشريفة والعنايةَ بالفضيلة وإشاعتِها في المجتمعات من أهم المهمات وأوجب الواجبات ، ذلك أن انهيار الأخلاق وشيوع الرذيلة مُؤذِنٌ بأخطار فادحة تعم المجتمع برمته ، حتى يَشِبَّ على ذلك الصغير ويهرم الكبير .

ولهذا كان من المقاصد والأهداف الشنيعة التي يسعى من في قلوبهم مرضٌ لإشاعتها بين الناس صرفهم عن الهدى والعفاف إلى الفحش والإسفاف ، كما أخبر الله عنهم في كتابه الكريم إذ قال عزَّ من قائل: ) وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلًا عَظِيمًا( [النساء: 27] .

قال الإمام المفسر الحافظ ابن جرير الطبري ـ رحمه الله ـ عند تفسيره هذه الآية:"معنى ذلك: ويريد الذين يتبعون شهوات أنفسهم من أهل الباطل وطلاب الزنا ونكاح الأخوات من الآباء ، وغير ذلك ، مما حرمه الله )أَن تَمِيلُواْ ( عن الحق، وعمَّا أذن الله لكم فيه، فتجوروا عن طاعته إلى معصيته، وتكونوا أمثالهم في اتباع شهوات أنفسكم فيما حرَّم الله ، وتركِ طاعته ) مَيْلًا عَظِيمًا (. انتهى تفسير ابن جرير"( 8/214 ـ 215 ) .

وفي عدد من المجتمعات الإسلامية يشاهد اليوم ما حلَّ بكثيرٍ من الناس من التساهل بتوجيه أهليهم ، من جهة الحرص على العفاف والحشمة والحجاب والحياء ، ولم يزل التساهل يتوالى حتى بلغ الحال ببعض النساء أن رفضن الحجاب وأحللن مكانه التبرج والسفور وقلَّةَ الحياء عن علم واطلاع من أوليائهن من الآباء والإخوان والأزواج ، ثم تبع ذلك تعاطي الفواحش ومقدماتها بتقنينٍ رسميٍ في تلك البلاد الإسلامية وللأسف الشديد .

** ولو أردنا أن نتوقف عند أبرز الأسباب التي أدت إلى تلكم التداعيات الأخلاقية الاجتماعية المؤسفة فسنجد في جملة ذلك:

ما انتقل إلى المجتمعات الإسلامية من الأخلاق الرذيلة والتصورات البائدة التي تدعو إلى التحرر من كل ما يضبط التعاملات الحياتية بضوابط الأدب والحياء ومن كل ما يمنع النفوس من مشتهياتها المحرمة ، وصاحبَ ذلك رقةٌ في الدين وضعفٌ أو موتٌ للغيرة على المحارم .

ولا ريب أن الغيرة إذا ترحَّلت من القلب ترحَّل منه الدين ، لأن الغيرة هي الحامل على رعاية العرض والحفاظ عليه والمنافحة عنه .

ولما كان زوال الغيرة مؤذنًا بتساهل المرء في تعاطي أهله ومحارمه للفواحش فإن من تكامل منه ذلك صار مستحقًا لما جاء من الوعيد في الحديث الصحيح من أن الجنة لا يدخلها ديُّوث: كما قال صلى الله عليه وسلم:"ثلاثةٌ لا يدخلون الجنة"وذكر منهم الدَّيُّوث.

ومن كان ذا غيرة على أهله ومحارمه اقتضى ذلك منه مباعدتهم عن كل ما يخدش الحياء ويخل بالعفاف ، وهذه صفَّةُ عزٍّ وجلالةٍ وقَدْرٍ كبير ؛ إنما يحوزها النبلاء والفضلاء من الناس ، ولهذا كان سيد الناس ومقدَّمَهم فيها سيد الخلق محمدٌ صلى الله عليه وسلم .

وغيرة الرجل على أهله التي يؤمر بها هي: منعه لَهُنَّ عن التعلق بأجنبي بنظر أو حديث أو غيره ، مما يسبب لهن تعاطي الأخلاق الرذيلة والتعاملات الصفيقة"الديباج شرح صحيح مسلم بن الحجاج" ( 4/125 ) للسيوطي.

والغيرة صفة كمال طالما تمدَّح بها الكرام منذ القدم ، وجاءت الشريعة المحمدية فوضعتها في مكانها المناسب بلا إفراط ولا تفريط ، ففي"المسند"و"السنن"إلا"الترمذي"عن جابر بن عتيك الأنصاري ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إنَّ من الغيرة ما يحب الله ومنها ما يبغض الله … ، فأما الغيرة التي يحب الله: فالغيرة في رِيبة ، وأما التي يبغض الله فالغيرة في غير الرِّيبة …" [5] .

وقد كان من تمدُّح العرب باتصاف نبلائهم بالغيرة على المحارم ما جاء عنهم من استحبابهم عفاف النساء وحياءَهن وتسترهن وحفظهن لأزواجهن ووفاءَهنَّ لهم ، وقد أشادت بذلك منابر الإعلام ومناراته في زمانهم ، أعني فحول شعرائهم ، فهذا علقمة بن عبدة يقول:

مُنَعَّمةٍ ما يُستَطاعُ كلامُها *** على بابها من أن تُزارَ رَقيبُ

إذا غاب فيها البعلُ لم تُفشِ سِرَّهُ *** وترضى إياب البعلِ حين يؤوبُ

وقال الشنفريُّ الأزدي:

لقد أعجبتني لا سقوطًا قناعُها *** إذا ما مشت ولا بذات تلَفُّت

أُميمةُ لا يخزي فتاها حليلَها *** إذا ذُكر النسوانُ عفَّت وجلَّت

إذا هو أمسى آب قُرَّةَ عينه مآب السعيد لم يَسَلْ أين ظلَّت

إلى غير ذلك مما حفلت به الدوواين وكتب الأدب في حكاية تلك الأخلاق والخواطر التي اتصلت بحياتهم أيما اتصال .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت