فهرس الكتاب
الجواب: من المعلوم أنَّ من استقرض مائة ألف ريال ليوفيها على أقساط مع زيادة 8 % لكلِّ قسط , وتزيد هذه النسبة كلَّما امتدَّ الأجل , أو لا تزيد , أنَّ هذا من الرِّبا , ربا النسيئة والفضل , وأنه يزداد قُبحًا إذا كان كلَّما امتدَّ الأجل ازدادت النسبة , وهذا من ربا الجاهلية الذي قال الله فيه: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ* وَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ * وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) ) (آل عمران:130-132) .
ومن المعلوم: أنَّ التحيُّلَ على هذه المعاملة تَحيُّلٌ على محارم الله , ومكرٌ , وخداعٌ لمن يعلم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور , ومن المعلوم: أنَّ التحيُّلَ على محارم الله لا يجعلها حلالًا بمجرَّد صورةٍ ظاهرُها الحلال ومقصودُها الحرام .
ومن المعلوم: أنَّ التحيُّلَ على محارم الله لا يزيدُها إلا قبحًا, لأنَّ المُتحيِّلَ عليها يقعُ في محذورين:
المحذور الأول: الخداع , والمكر , والتلاعب بأحكام الله عزَّ وجل .
المحذور الثاني: مفسدة ذلك المحرَّم الذي تحيَّل إلى الوصول إليه , لأنها تحققت بذلك الحيلة .
ومن المعلوم: أنَّ التحيُّلَ على محارم الله تعالى وقوعٌ فيما ارتكبته اليهود , فيكونُ المُتحيِّلُ مُشابهًا لهم في ذلك , ولهذا جاء في الحديث: (( لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود , فتستحِلُّوا محارمَ الله بأدنى الحِيل ) ) [55] .
ومن المعلوم للمتأمِّل المتجرِّد عن الهوى: أنَّ من قال لشخص يُريدُ سيارة: اذهب إلى المعرض وتخيَّر السيارة التي تُريد , وأنا أشتريها من المعرض ثمَّ أبيعها عليك مؤجلة بأقساط , أو قال لشخص يريد أرضًا: اذهب إلى المخطط وتخيَّر الأرض التي تريد وأنا أشتريها من المخطط ثمَّ أبيعها عليك مؤجلة بأقساط ...
أقول: من المعلوم للمتأمِّل المنصف المتجرِّد عن هوى النفس: أنَّ التعامل على هذا الوجه من التحيُّلِ على الرِّبا , وذلك لأنَّ التاجر الذي اشترى السلعة لم يقصد شراءها ولم يكن ذلك يدور في فكره , ولم يكن اشتراها من أجل الزيادة التي يحصل عليها منه في مقابلة التأجيل , ولهذا كلَّما امتدَّ الأجل كثرت الزيادة , فهو في الحقيقة كقول القائل: أُقرضك ثمن هذه الأشياء بزيادة ربوية مُقابل التأجيل , ولكنه أدخل بينهما سلعة , كما ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سُئل عن رجل باع من رجل حريرة بمئة ثمَّ اشتراها بخمسين , فقال: دراهم بدراهم متفاضلة دخلت بينهما حريرة .
قال ابن القيم رحمه الله 5/103 من تهذيب السنن: وهذا الرِّبا تحريمه تابعٌ لمعناه وحقيقته , فلا يزول بتبدل الاسم بصورة البيع . اهـ .
وأنت لو قارنت مسألة العينة بهذه المسألة لوجدت هذه المسألة أقرب إلى التحيُّل على الرِّبا من مسألة العينة في بعض صورها , فإنَّ العينة كما قال الفقهاء: أن يبيع سلعة على شخص بثمن مؤجل ثمَّ يشتريها منه نقدًا بأقل , مع أنَّ البائع قد لا ينوي حين بيعها أن يشتريها , ومع ذلك يحرم عليه , ولا يُبرِّرُ هذه المعاملة قول البائع المتحيِّل: أنا لا أُجبره على أخذ السلعة التي اشتريتُها له , وذلك لأنه من المعلوم أن المشتري لم يطلبها إلاَّ لحاجته إليها وأنه لن يرجع عن شرائه, ولم نسمع أحدًا من الناس الذين يشترون هذه السلع على هذا الوجه رجع عن شرائه, لأنَّ التاجر المتحيِّل قد احتاط لنفسه وهو يعلم أنَّ المشتري لن يرجع, اللهم إلا أن يجد في السلعة عيبًا أو نقصًا في المواصفات .
فإن قيل: إذا كانت هذه المعاملة من التحيُّل على الرِّبا , فهل من طريق تحصل به مصلحة هذه المعاملة بدون تحيُّل على الرِّبا ؟ .
الجواب: أنَّ الله تعالى بحكمته ورحمته لم يُغلق عن عباده أبواب المصالح , فإنه إذا حرَّم عليهم شيئًا من أجل ضرره فتح لهم أبوابًا تشتمل على المصالح بدون ضرر .
والطريق للسلامة من هذه المعاملة: أن تكون السلع موجودة عند التاجر فيبيعها على المشترين بثمن مؤجل ولو بزيادة على الثمن الحال , ولا أظن التاجر الكبير يُعجزه أن يشتري السلع التي يرى إقبال الناس عليها كثيرًا ليبيعها إياهم بالثمن الذي يختاره فيحصل له ما يريد من الربح مع السلامة من التحيُّل على الرِّبا , وربما يحصل له الثواب في الآخرة إذا قصدَ بذلك التيسير على العاجزين على الثمن الحال , فقد قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: (( إنما الأعمال بالنيات , وإنما لكل امرئ ما نوى ) ) ( [56] ) , وما ذكره السائل: من كون الشركة تُكلِّف المشتري بشراء السلعة التي يُريدها , فإن كانت تُريد أن يكون وكيلًا عنها في ذلك فهذه هي المسألة التي تكلَّمنا عنها , وإن كانت تريد أن يشتريها لنفسه فهذا قرضٌ جرَّ نفعًا , ولا إشكال في أنه ربًا صريح .
من الحلول الشرعية في بيع السيارات: الفتوى رقم 17337 في 28/10/1414هـ .
السؤال: حضر عندي رجل وقال: أعطني مبلغ 23000 ثلاثة وعشرون ألف ريال , وبعد سنة أُعطيك سيارة داتسون غمارة واحدة موديل 94 , فهل هذا جائز , أم لا ؟ .
الجواب: يجوز أن تُقدِّم لشخص مبلغًا من المال على أن يَرد عليك مُقابله سيارة تنضبطُ بالوصف , ويكون ذلك من قبيل السَّلَم الذي هو: تعجيل الثمن وتأجيل المثمن , لأنَّ السيارة تنضبط بالوصف , ولكن يُشترطُ أن يقبض الثمن كاملًا في مجلس العقد , وأن يكون الأجلُ معلومًا , وبالله التوفيق , وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلَّم .
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو عضو عضو عضو نائب الرئيس الرئيس
بكر أبو زيد صالح الفوزان عبدالعزيز آل الشيخ عبدالله بن غديان عبدالرزاق عفيفيي عبدالعزيز بن باز
شراء العملات والشيكات: سُئل سماحة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى ( فتاوى معاصرة ص46 ) :
السؤال: ما حكم شراء العملات الأجنبية من البنوك ؟ وإذا أراد شخص أن يشتري دولارًا أو غيره بريالات , هل يُشترط التقابض ؟ وهل الشيك من البنك يُعتبر قبضًا ؟ .
الجواب: شراء العُملات من البنوك أو غيرها جائز , لكن يُشترط أن يكون التقابض قبل التفرُّق , لأن العملات يجري فيها ربا النسيئة , فإذا تقابضا قبل التفرُّق فلا بأس .
أما الشيك: فلا نرى أنه تسليم , لأنه حَوالَة , بدليل: أنه لو استلم الشيك مثلًا فضاع منه , رَجَعَ على صاحبه الذي أعطاه إياه , ولم يقل إني قبضتك , فلا شيء لك , وعلى هذا: يقع في ربا النسيئة .
معنى ربا الفضل وربا النسيئة: الفتوى رقم 18612 ج13/330-331 .
السؤال: نرجو التفضُّل ببيان ربا الفضل وربا النسيئة , والفرق بينهما ؟ .
الجواب: ربا النسيئة مأخوذ من النسأ, وهو التأخير, وهو نوعان: الأول: قلبُ الدَّين على المعسر, وهذا هو ربا الجاهلية, فيكون للرجل على الرجل مالٌ مؤجَّل, فإذا حلَّ قال له صاحب الدَّين: إمَّا أن تقضي, وإما أن تربي , فإن قضاه وإلا زاد الدائن في الأجل وزاد في الدَّين مُقابل التأجيل , فيتضاعف الدَّين في ذمة المدين .
الثاني: ما كان في بيع جنسين اتفقا في علَّة ربا الفضل , مع تأخير قبضهما أو قبض أحدهما , كبيع الذهب بالذهب أو بالفضة , أو الفضة بالذهب مؤجَّلًا أو بدون تقابض في مجلس العقد .