فهرس الكتاب
وكان معاذ لا يجلسُ مَجلِسًا للذكر إلاَّ قال: الله حَكَمٌ قِسْطٌ ، هلَكَ الْمُرتابون ، إنَّ مِنْ ورائكم فِتَنًا يَكثرُ فيها المالُ، ويُفتحُ فيها القرآنُ، حتى يَأخُذَهُ المؤمنُ والمنافقُ ، والرَّجلُ والمرأةُ، والصغيرُ والكبيرُ، والعبدُ والْحُرُّ ، فيوشِكُ قائلٌ أنْ يقول: ما للناس لا يَتَّبعونِي وقدْ قرأتُ القرآنَ، ما هُمْ بمُتَّبِعيَّ حتَّى أَبتدَعَ لَهم غيرَهُ، فإيَّاكم وما ابتُدعَ فإنَّ ما ابتُدع ضلالةٌ ، وأُحذِّركم زَيْغَةَ الحكيمِ ، فإنَّ الشيطانَ قد يقولُ كلمةَ الضلالةِ على لسان الحكيم ، وقد يقولُ المنافقُ كلمةَ الحقِّ ، قالَ: قلتُ لمعاذ: ما يُدرينِي رحمكَ الله أنَّ الحكيمَ قد يقولُ كلمةَ الضلالةِ ، وأنَّ المنافقَ قدْ يقولُ كلمةَ الحقِّ ، قال: بلى، اجتنب مِِِنْ كلام الحكيمِ المشتهِرَاتِ التي يُقالُ لها: ما هذه ، ولا يَثْنِينَّكَ ذلكَ عنه ، فإنه لعلَّه أنْ يُراجع ، وتلَّقَ الحقَّ إذا سمعته ، فإنَّ على الحقِّ نورًا) [63] .
كفانا الله بحلاله عن حرامه , وأغنانا بفضله عمَّن سواه (( إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ) ) (هود:88) .
هذه نصيحتي وغاية جُهدي ، والحمد لله رب العالمين .
وصلى الله وسلَّم على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه .
[1] خطبة الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى في كتابه: الرد على الجهمية والزنادقة ص55-57 .
[2] رواه الإمام البخاري واللفظ له ح100 ( بابٌ: كيفَ يُقبضُ العلمُ ) ؟ , وقال رحمه الله تعالى: « وكتبَ عمرُ بنُ عبد العزيز إلى أبي بكر بنِ حزمٍ: انظر ما كانَ من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاكتبهُ , فإني خِفتُ دُرُوسَ العلمِ وذهابَ العلماءِ , ولا تقبل إلاَّ حديثَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم , وليُفشُوا العلمَ , وليَجلسوا حتَّى يُعلَّمَ مَن لا يَعلَمُ , فإنَّ العلمَ لا يَهلِكُ حتَّى يكونَ سِرًَّا » .
ورواه الإمام مسلم ح2673 بابُ: رفع العلم وقبضه , وظهور الجهل والفتن في آخر الزمان .
[3] رواه البيهقي في الكبرى ح20700 ( بابُ: الرجل من أهل الفقه يُسأل عن الرجل من أهل الحديث فيقول: كُفّوا عن حديثه لأنه يغلط أو يُحدِّث بما لم يَسمع , أو أنه لا يُبصر الفتيا ) وابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق ج7/38 , وصحَّحه الإمام أحمد ( فتح المغيث للسخاوي ج1/297 ) .
[4] رواه الطبراني في الأوسط ح7695 , وقال الهيثمي: ( ورجاله رجال الصحيح ) مجمع الزوائد ج4/118 .
[5] رواه الإمام البخاري ح1977 باب قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (130) سورة آل عمران.
[6] مُشتبهة ومُشَبَّهة: قال ابن منظور: ( مشكلة يُشبهُ بعضها بعضًا ) لسان العرب ج2/266 , وقال العيني: ( الشبهات هي الأمور التي لم يتَّضح حكمها ) عمدة القاري ج2/297 .
[7] رواه الإمام البخاري ح2051 ( بابٌ: الحلالُ بيِّنٌ , والحرام بيِّنٌ , وبينهما مشتبهاتٌ ) .
[8] أخرجه الإمام أحمد ح1723 , والترمذي واللفظ له ح2518 وقال: ( حسن صحيح ) , وصحَّح إسناده الحافظ ابن حجر في تغليق التعليق ج3/211 .
[9] أي صحيح الإمام البخاري رحمه الله تعالى ح6640 ( باب: تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح ) .
[10] ( قال ابن هبيرة: إنما عُوقب آكل الرِّبا بسباحته في النهر الأحمر , وإلقامه الحجارة: لأن أصل الرِّبا يجري في الذهب , والذهب أحمر , وأما إلقام الملَك له الحَجر فإنه إشارة إلى أنه لا يُغني عنه شيئًا , وكذلك الرِّبا فإن صاحبه يتخيَّلُ أن ماله يزداد , والله من ورائه يمحقه ) فتح الباري ج12/445 .
[11] رواه أحمد ح14481 , والترمذي واللفظ له ح614 باب: ما ذكر في فضل الصلاة , وقال الهيثمي: ( ورجاله ثقات ) مجمع الزوائد ج10/231 , وصححه الحافظ ابن حجر في الأمالي المطلقة ص214 .
[12] وهم ( فقهاء الإسلام , ومن دارت الفتيا على أقوالهم بين الأنام , الذين خُصُّوا باستنباط الأحكام , وعُنوا بضبط قواعد الحلال والحرام ) إعلام الموقعين للإمام ابن القيم رحمه الله تعالى ج1/7 .
وهم أيضًا: ( الذين جعل الله عزَّ وجلَّ عماد الناس عليهم في الفقه والعلم , وأمور الدين والدنيا) ,يُنظر: تفسير الطبري ج3/327 .
[13] بدائع الفوائد ج3/277 .
[14] الرِّبا وبعض صوره المعاصرة ص42 .
وصدقَ شيخنا حفظه الله ( لماذا لا يسألون اللجنة الدائمة , أو هيئة كبار العلماء ) فقد كان من هدي السلف الصالح كما قال الإمام ابن المُبارك رحمه الله تعالى: ( كان فقهاء أهل المدينة الذين كانوا يصدرون عن رأيهم سبعة: ابن المسيب , وسليمان بن يسار , وسالم , والقاسم , وعروة , وعبيد الله بن عبد الله , وخارجة بن زيد , وكانوا إذا جاءتهم مسألة دخلوا فيها جميعًا فنظروا فيها ) سير أعلام النبلاء للذهبي ج4/461 , تهذيب التهذيب لابن حجر ج3/378 , فتح المغيث للسخاوي ج3/159 .
وأيضًا: مما يدلُّ على سَعة فقه شيخنا - حفظه الله - في قوله: ( لماذا لا يسألون اللجنة الدائمة , أو هيئة كبار العلماء ) حيث أنَّ ولي الأمر في هذه البلاد - حفظها الله بالإسلام - قَصَرَ الفتيا في الأمور العامة على هيئة كبار العلماء وعلى اللجنة الدائمة للإفتاء , وهذا أيضًا له أصله الشرعيُّ من سُنة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه , فعن محمد بن سيرين رحمه الله تعالى قالَ: ( قالَ عُمَرُ رضي الله عنه لابنِ مسعودٍ أَلَمْ أُنَبَّأْ , أو أُنبئتُ أنَّكَ تُفتِي وَلَستَ بأمير , وَلِّ حَارَّهَا مَنْ تَوَلَّى قارَّهَا ) أخرجه الدارمي واللفظ له ح175 بابُ: الفتيا وما فيه من الشِّدَّةِ ص77 , وعبد الرزاق في مصنفه ح15293 , وابن عبد البر في الجامع ج2/143 , والذهبي في السير ج2/495 .
قال أبو داود في سننه ح4481: ( وقال الأصمعي: وَلِّ حَارَّهَا مَنْ تَوَلَّى قارَّهَا: ولِّ شديدَها مَنْ تَوَلَّى هَيِّنَهَا ) .
قال الذهبي رحمه الله تعالى: (يَدلُّ على أنَّ مذهبَ عمر رضي الله عنه: أن يَمنع الإمامُ من أفتى بلا إذن ) السير ج2/495 .
وروى الإمام المروزي في (ما رواه الأكابر ح47 ص61 ) : عن ابن وهب قال: ( سمعتُ مناديًا يُنادي بالمدينة: ألا لا يُفتي الناسَ إلا مالكُ بن أنس , وابن أبي ذئب) وانظر: العلو للعلي الغفار للذهبي ح351 ج2/967 وفيه: (نُودي مرَّة بالمدينة بأمر المنصور ..) .
وقال أبو الوليد الباجي: قال ابن وهب: (حججتُ سنة ثمان وأربعين ومائة , وصائحٌ يَصيحُ: لا يُفتي الناسَ إلا مالكُ بن أنس , وعبد العزيز بن أبي سلمة) التعديل والتجريح ج2/699 , وانظر: تاريخ بغداد ج10/436 , المنتظم لابن الجوزي ج8/275 .
وروى الإمام البخاري رحمه الله في تاريخه ح2999 عن عبد الله بن إبراهيم بن عمر بن كيسان قال: (أخبرني أبي: أذكرهم في زمان بني أمية صائحًا يصيحُ: ألا لا يُفتي الناسَ إلا عطاءُ , فإن لم يكن عطاء فابن أبي نجيح) وانظر: أخبار مكة للفاكهي ح1643 ج2/347 , طبقات الفقهاء للشيرازي ص57 , تهذيب الكمال للمزي ج20/78 , تاريخ مدينة دمشق ج40/385 .
[15] يُنظر: الفتاوى الكبرى الفقهية للهيتمي ج4/324 , وكتاب زجر السفهاء عن تتبع رخص الفقهاء , لجاسم الفهيد الدوسري ص20-22 .