فهرس الكتاب
رابعًا: ما يقوم به المتمولون من احتكار الأسهم والسندات والبضائع في السوق للتحكم في البائعين الذين باعوا ما لا يملكون على أمل الشراء قبل موعد تنفيذ العقد بسعر أقل ، والتسليم في حينه ، وإيقاعهم في الحرج .
خامسًا: أنَّ خطورة السوق المالية هذه تأتي من اتخاذها وسيلة للتأثير في الأسواق بصفة عامة ، لأنَّ الأسعار فيها لا تعتمد كليًا على العرض والطلب الفعليين من قبل المحتاجين إلى البيع أو إلى الشراء، وإنما تتأثر بأشياء كثيرة ، بعضها مفتعل من المهيمنين على السوق ، أو من المحتكرين للسلع أو الأوراق المالية فيها ، كإشاعة كاذبة أو نحوها ، وهنا تكمن الخطورة المحظورة شرعًا ، لأنَّ ذلك يُؤدِّي إلى تقلبات غير طبيعية في الأسعار ، مما يُؤثر على الحياة الاقتصادية تأثيرًا سيئًا .
وعلى سبيل المثال لا الحصر: يعمد كبار الْمُموِّلين إلى طرح مجموعة من الأوراق من أسهم أو سندات قروض ، فيهبط سعرها لكثرة العرض ، فيُسارع صغار حملة هذه الأوراق إلى بيعها بسعر أقل، خشية هبوط سعرها أكثر من ذلك وزيادة خسارتهم ، فيهبط سعرها مجددًا بزيادة عرضهم ، فيعود الكبار إلى شراء هذه الأوراق بسعر أقل بغية رفع سعرها بكثرة الطلب ، وينتهي الأمر بتحقيق مكاسب للكبار، وإلحاق خسائر فادحة بالكثرة الغالبة وهم صغار حملة الأوراق المالية، نتيجة خداعهم بطرح غير حقيقي لأوراق مماثلة ، ويجري مثل ذلك أيضًا في سوق البضائع ، ولذلك قد أثارت سوق البورصة جدلًا كبيرًا بين الاقتصاديين، والسبب في ذلك: أنها سبَّبت في فترات معيَّنة من تاريخ العالم الاقتصادي ضياع ثروات ضخمة في وقت قصير، بينما سبَّبت غنى الآخرين دون جُهد ، حتى إنهم في الأزمات الكبيرة التي اجتاحت العالم طالبَ الكثيرون بإلغائها، إذ تذهب بسببها ثروات ، وتنهار أوضاع اقتصادية في هاوية، وبوقت سريع ، كما يحصل في الزلازل والانخسافات الأرضية ، ولذلك كله: فإنَّ مجلس المجمع الفقهي الإسلامي، بعد اطلاعه على حقيقة سوق الأوراق المالية والبضائع ( البورصة ) وما يجري فيها من عقود عاجلة وآجلة على الأسهم وسندات القروض والبضائع والعملات الورقية ومناقشتها في ضوء أحكام الشريعة الإسلامية يُقرِّر ما يلي:
أولًا: أنَّ غاية السوق المالية (البورصة) هي إيجاد سوق مستمرة ودائمة يتلاقى فيها العرض والطلب والمتعاملون بيعًا وشراء ، وهذا أمر جيد ومفيد ، ويمنع استغلال المحترفين للغافلين والمسترسلين الذين يحتاجون إلى بيع أو شراء، ولا يعرفون حقيقة الأسعار ولا يعرفون المحتاج إلى البيع ومن هو محتاج إلى الشراء، ولكنَّ هذه المصلحة الواضحة يواكبها في الأسواق المذكورة (البورصة) أنواع من الصفقات المحظورة شرعًا، والمقامرة حكم شرعي عام بشأنها ، بل يجبُ بيان حكم المعاملات التي تجري فيها ، كل واحدة منها على حده .
ثانيًا: أنَّ العقود العاجلة على السلع الحاضرة الموجودة في ملك البائع التي يجري فيها القبض فيما يُشترط له القبض في مجلس العقد شرعًا هي عقود جائزة ، ما لم تكن عقودًا على محرَّم شرعًا ، أما إذا لم يكن المبيع في ملك البائع فيحب أن تتوافر فيه شروط بيع السَّلَم ، ثمَّ لا يجوز للمشتري بعد ذلك بيعه قبل قبضه .
ثالثًا: أنَّ العقود العاجلة على أسهم الشركات والمؤسسات حين تكون تلك الأسهم في ملك البائع جائزة شرعًا، ما لم تكن تلك الشركات أو المؤسسات موضوع تعاملها محرَّم شرعًا كشركات البنوك الربوية، وشركات الخمور ، فحينئذ يحرم التعاقد في أسهما بيعًا وشراءً .
رابعًا: أنَّ العقود العاجلة والآجلة على سندات القروض بفائدة ، بمختلف أنواعها غير جائزة شرعًا ، لأنها معاملات تجري بالرِّبا المحرَّم .
خامسًا: أنَّ العقود الآجلة بأنواعها ، التي تجري على المكشوف ، أي: على الأسهم والسلع التي ليست في ملك البائع ، بالكيفية التي تجري في السوق المالية (البورصة) غير جائزة شرعًا ، لأنها تشتمل على بيع الشخص ما لا يملك ، اعتمادًا على أنه سيشتريه فيما بعد ويُسلِّمه في الموعد ، وهذا منهيٌّ عنه شرعًا ، لِما صحَّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم أنه قال: (( لا تبع ما ليس عندك ) ) [60] .
وكذلك ما رواه الإمام أحمد وأبو داود بإسناد صحيح عن زيد بن ثابت رضي الله عنه: (( أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلَّم نهى أن تُباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم ) ) [61] .
سادسًا: ليست العقود الآجلة في السوق المالية ( البورصة ) من قبيل بيع السَّلَم الجائز في الشريعة الإسلامية ، وذلك للفرق بينهما من وجهين:
(أ) في السوق المالية (البورصة) لا يُدفع الثمن في العقود الآجلة في مجلس العقد ، وإنما يُؤجَّل دفع الثمن إلى موعد التصفية ، بينما أنَّ الثمن في بيع السَّلَم يجب أن يُدفع في مجلس العقد .
(ب) في السوق (البورصة) تُباع السلعة المتعاقد عليها وهي في ذمة البائع الأول ، وقبل أن يحوزها المشتري الأول عدَّة بيوعات ، وليس الغرض من ذلك إلا قبض أو دفع فروق الأسعار بين البائعين والمشترين غير الفعليين ، مخاطرة منهم على الكسب والربح ، كالمقامرة سواء بسواء ، بينما لا يجوز بيع المبيع في عقد السلم قبل قبضه .
وبناءً على ما تقدَّم يرى المجمع الفقهي الإسلامي:
أنه يجبُ على المسئولين في البلاد الإسلامية أن لا يتركوا أسواق البورصة في بلادهم حرَّة تتعامل كيف تشاء في عقود وصفقات ، سواء أكانت جائزة أو محرَّمة ، وألا يتركوا المتلاعبين بالأسعار فيها أن يفعلوا ما يشاءون ، بل يوجبون فيها مراعاة الطرق المشروعة في الصفقات التي تعقد فيها ، ويمنعون العقود غير الجائزة شرعًا ، ليحولوا دون التلاعب الذي يجرُّ إلى الكوارث المالية ، ويخرب الاقتصاد العام ، ويلحق النكبات بالكثيرين ، لأنَّ الخير كل الخير في التزام طريق الشريعة الإسلامية في كلِّ شيء ، قال الله تعالى: (( وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) ) (الأنعام:153) .
والله سبحانه هو وليُّ التوفيق ، والهادي إلى سواء السبيل ، وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد ، وعلى آله وصحبه وسلَّم .
نائب الرئيس رئيس مجلس المجمع الفقهي
د. عبدالله عمر نصيف عبدالعزيز بن عبدالله بن باز
الأعضاء
عبدالله العبدالرحمن البسام صالح بن فوزان الفوزان محمد الصالح العثيمين محمد بن عبدالله بن سبيل مصطفى أحمد الزرقاء محمد محمود الصواف
محمد سالم عدود محمدح رشيد قباني محمد الشاذي النيفر
أبو بكر جومي عبدالقدوس الهاشمي محمد رشيدي
محمد أحمد قمر
مقرِّر مجلس المجمع الفقهي الإسلامي
الخاتمة:
قال شديدُ العقابِ سبحانه وتعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ* فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ ) ).
وقال صلى الله عليه وسلَّم: (( إنَّكَ لَنْ تدَعَ شيئًا لله عزَّ وجلَّ إلا بدَّلك الله به ما هو خيرٌ لَكَ منه ) ) [62] .