المُؤمِنينَ وَصَبْرَهُمْ عَلَى القِتَالِ، وَيخْتَبِرَ المُشرِكِينَ، فَيُعَاقِبَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ بأيدِي المُؤْمِنينَ، وَيَتَّعِظَ مِنْهُمْ مَنْ شَاءَ وَيَرْجِعَ إِلى الحَقِّ. واللهُ يَجْزِي الشَّهَداءَ الذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِهِ تَعَالى، وَيَتَجَاوزُ عَنْ سَيَّئَاتِهِمْ، وَيُثَمِّرُ لَهُمْ أعْمالَهُمْ وَيُنَمِّيها لَهُمْ. وسَيَهْدِي اللهُ الشُهَدَاءَ في سَبيلِهِ إلى طَريقِ الجَنَّةِ، ويُصْلِحُ حَالَهم في الآخِرَةِ. وَيدُخْلِهُمَ ربُّهم الجَنَّةَ، فَيَجِدُ كُلُّ وَاحِد فيها مَقَرَّهُ لا يَضِلُّ في طَلَبِه، وَكَأنَّهُ يَعْرِفُهُ مِنْ قَبْلُ. [1]
وقال الطبري:"يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِفَرَيقِ الْإِيمَانِ بِهِ وَبِرَسُولِهِ: {فَإِذَا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا} [محمد:4] بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، فَاضْرِبُوا رِقَابَهُمْ وَقَوْلُهُ: {حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ} [محمد:4] يَقُولُ: حَتَّى إِذَا غَلَبْتُمُوهُمْ وَقَهَرْتُمْ مَنْ لَمْ تَضْرِبُوا رَقَبَتَهُ مِنْهُمْ، فَصَارُوا فِي أَيْدِيكُمْ أَسْرَى {فَشُدُّوا الْوَثَاقَ} [محمد:4] يَقُولُ: فَشُدُّوهُمْ فِي الْوَثَاقِ كَيْلًا يَقْتُلُوكُمْ، فَيَهْرُبُوا مِنْكُمْ، فَإِذَا أَسَرْتُمُوهُمْ بَعْدَ الْإِثْخَانِ، فَإِمَّا أَنْ تَمُنُّوا عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ بِإِطْلَاقِكُمْ إِيَّاهُمْ مِنَ الْأَسْرِ، وَتُحَرِّرُوهُمْ بِغَيْرِ عِوَضٍ وَلَا فِدْيَةٍ، وَإِمَّا أَنْ يُفَادُوكُمْ فِدَاءً بِأَنْ يُعْطَوكَمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ عِوَضًا حَتَّى تُطْلِقُوهُمْ، وَتُخَلُّوا لَهُمُ السَّبِيلَ. وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي قَوْلِهِ: {حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشَدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} [محمد:4] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ مَنْسُوخٌ نَسَخَهُ قَوْلُهُ: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [التوبة:5] وَقَوْلُهُ {فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ} [الأنفال:57] "
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مُحْكَمَةٌ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ، وَذَلِكَ أَنَّ صِفَةَ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ مَا قَدْ بَيَّنَّا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ فِي كِتَابِنَا أَنَّهُ مَا لَمْ يَجُزِ اجْتِمَاعُ حُكْمَيْهِمَا فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ مَا قَامَتِ الْحُجَّةُ بِأَنَّ أَحَدَهُمَا نَاسِخُ الْآخَرِ، وَغَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ أَنْ يَكُونَ جَعَلَ الْخِيَارَ فِي الْمَنِّ وَالْفِدَاءِ وَالْقَتْلِ إِلَى الرَّسُولِ - صلى الله عليه وسلم -،وَإِلَى الْقَائِمِينَ بَعْدَهُ بِأَمْرِ الْأُمَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْقَتْلُ مَذْكُورًا فِي هَذِهِ الْآيَةِ، لِأَنَّهُ قَدْ أَذِنَ بِقَتْلِهِمْ فِي آيَةٍ أُخْرَى، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [التوبة:5] الْآيَةَ بَلْ ذَلِكَ كَذَلِكَ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - كَذَلِكَ كَانَ يَفْعَلُ فِيمَنْ صَارَ أَسِيرًا فِي يَدِهِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، فَيَقْتُلُ بَعْضًا، وَيُفَادِي بِبَعْضٍ، وَيَمُنُّ عَلَى بَعْضٍ، مِثْلَ يَوْمِ بَدْرٍ قَتَلَ عُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ وَقَدْ أُتِيَ بِهِ أَسِيرًا، وَقَتَلَ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَقَدْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ سَعْدٍ، وَصَارُوا فِي يَدِهِ سِلْمًا، وَهُوَ عَلَى فِدَائِهِمْ
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 4428،بترقيم الشاملة آليا)