وَالْمَنِّ عَلَيْهِمْ قَادِرٌ، وَفَادَى بِجَمَاعَةِ أُسَارَى الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ أُسِرُوا بِبَدْرٍ، وَمَنَّ عَلَى ثُمَامَةَ بْنِ أُثَالٍ الْحَنَفِيِّ، وَهُوَ أَسِيرٌ فِي يَدِهِ، وَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ ثَابِتًا مِنْ سَيْرِهِ فِي أَهْلِ الْحَرْبِ مِنْ لَدُنْ أَذِنَ اللَّهُ لَهُ بِحَرْبِهِمْ، إِلَى أَنْ قَبَضَهُ إِلَيْهِ - صلى الله عليه وسلم - دَائِمًا ذَلِكَ فِيهِمْ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْمَنَّ وَالْفِدَاءَ فِي الْأُسَارَى، فَخَصَّ ذِكْرَهُمَا فِيهَا، لِأَنَّ الْأَمْرَ بِقْتَلِهِمَا وَالْإِذَنَ مِنْهُ بِذَلِكَ قَدْ كَانَ تَقَدَّمَ فِي سَائِرِ آيِ تَنْزِيلِهِ مُكَرَّرًا، فَأَعْلَمَ نَبِيَّهُ - صلى الله عليه وسلم - بِمَا ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مِنَ الْمَنِّ وَالْفِدَاءِ مَا لَهُ فِيهِمْ مَعَ الْقَتْلِ
فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَاضْرِبُوا رِقَابَهُمْ، وَافْعَلُوا بِأَسْرَاهُمْ مَا بَيَّنْتُ لَكُمْ، حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ آثَامَهَا وَأَثْقَالَ أَهْلِهَا، الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ بِأَنْ يَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ مِنْ شِرْكِهِمْ، فَيُؤْمِنُوا بِهِ وَبِرَسُولِهِ، [ص:188] وَيُطِيعُوهُ فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، فَذَلِكَ وَضْعُ الْحَرْبِ أَوْزَارَهَا، وَقِيلَ: {حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} [محمد:4] وَالْمَعْنَى: حَتَّى تُلْقِيَ الْحَرْبُ أَوْزَارَ أَهْلِهَا وَقِيلَ: مَعْنَى ذَلِكَ: حَتَّى يَضَعَ الْمُحَارِبُ أَوْزَارَهُ
وهَذَا الَّذِي أَمَرْتُكُمْ بِهِ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ مِنْ قَتْلِ الْمُشْرِكِينَ إِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فِي حَرْبٍ، وَشَدِّهِمْ وَثَاقًا بَعْدَ قَهْرِهِمْ، وَأَسْرِهِمْ، وَالْمَنِّ وَالْفِدَاءِ {حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} [محمد:4] هُوَ الْحَقُّ الَّذِي أَلْزَمَكُمْ رَبُّكُمْ وَلَوْ يَشَاءُ رَبُّكُمْ وَيُرِيدُ لَانْتَصَرَ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ بَيَّنَ هَذَا الْحُكْمَ فِيهِمْ بِعُقُوبَةٍ مِنْهُ لَهُمْ عَاجِلَةٍ، وَكَفَاكُمْ ذَلِكَ كُلَّهُ، وَلَكِنَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ كَرِهَ الِانْتِصَارَ مِنْهُمْ، وَعُقُوبَتَهُمْ عَاجِلًا إِلَّا بِأَيْدِيكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ {لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ} [محمد:4] يَقُولُ: لِيَخْتَبِرَكُمْ بِهِمْ، فَيَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ، وَيَبْلُوهُمْ بِكُمْ، فَيُعَاقِبُ بِأَيْدِيكُمْ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ، وَيَتَّعِظُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ بِمَنْ أَهْلَكَ بِأَيْدِيكُمْ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ حَتَّى يُنِيبَ إِلَى الْحَقِّ.
وَالَّذِينَ قَاتَلُوا مِنْكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ أَعْدَاءَ اللَّهِ مِنَ الْكُفَّارِ فِي دِينِ اللَّهِ، وَفِي نُصْرَةِ مَا بَعَثَ بِهِ رَسُولُهُ مُحَمَّدًا - صلى الله عليه وسلم - مِنَ الْهُدَى، فَجَاهَدُوهُمْ فِي ذَلِكَ {فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ} [محمد:4] فَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمُ الَّتِي عَمِلُوهَا فِي الدُّنْيَا ضَلَالًا عَلَيْهِمْ كَمَا أَضَلَّ أَعْمَالَ الْكَافِرِينَ .. عَنْ قَتَادَةَ، {وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ [ص:191] اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ} [محمد:4] ذُكِرَ لَنَا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ أُنْزِلَتْ يَوْمَ أُحُدٍ وَرَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي الشِّعْبِ، وَقَدْ فَشَتْ فِيهِمُ الْجِرَاحَاتُ وَالْقَتْلُ، وَقَدْ نَادَى الْمُشْرِكُونَ يَوْمَئِذٍ: أُعْلُ هُبَلُ، فَنَادَى الْمُسْلِمُونَ: اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ، فَنَادَى الْمُشْرِكُونَ: يَوْمٌ بِيَوْمٍ، إِنَّ الْحَرْبَ سِجَالٌ، إِنَّ لَنَا