يَكُنْ مَعَكَ هَذَا الْعَدَدُ مِنْ أَمْثَالِكَ فَأَنْتَ فِي سَعَةٍ مِنَ التَّخَلُّفِ عَنْ ذَلِكَ، وَكَانَ هَذَا الْجَوَابُ مِنْ مَالِكٍ أَحْسَنَ جَوَابٍ، وَإِنَّمَا أَخَذَهُ عِنْدَنَا، وَاللهُ أَعْلَمُ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي رَوَيْنَاهُ:"وَلَنْ يُؤْتَى اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ"،وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ". [1] "
وعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: مَا الْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ؟ قَالَ: الْفِرَارُ غَيْرُ الْمُتَحَرِّفِ لِلْقِتَالِ، وَلَا الْمُتَحَيِّزُ إِلَى الْفِئَةِ. قَوْلُ اللَّهِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إِنْ فَرَّ إِنْسَانٌ مِنْ غَيْرِ زَحْفٍ فِي مَرْمَاهُ فِي قِتَالٍ، أَوْ مِنْ أُنَاسٍ فِي حِصْنٍ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ، إِنَّمَا ذَلِكَ فِي الزَّحْفِ، قَالَ اللَّهُ: إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ، وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا، ثُمَّ خَفَّفَ عَنْهُمْ فَقَالَ: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ، وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا، فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ، وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ، وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ فَإِنْ لَقِيَ رَجُلٌ رَجُلًا أَوْ رَجُلَيْنِ فَفَرَّ مِنْهُ أَوْ مِنْهُمَا فَهِيَ كَبِيرَةٌ، وَإِنْ لَقِيَ ثَلَاثَةَ رِجَالٍ فَفَرَّ مِنْهُمْ فَلَا بَأْسَ مِنْ أَجْلِ الرَّجُلِ بِرَجُلَيْنِ. قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَنَسَخَتِ الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ، فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ؟ فَقَدْ فَرَّ أُنَاسٌ يَوْمَ أُحُدٍ. قَالَ: إِنَّ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ أَضْعَافُهُمْ، وَيَوْمَ بَدْرٍ أَوْ أُحُدٍ أَكْثَرُ، لَا نَعْلَمُهَا نُسِخَتْ. قَالَ: وَعَامَّةُ مَنْ مَعَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَوْمَئِذٍ غَيْرُ مُؤْمِنِينَ" [2] "
هذا وقد اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ إذَا الْتَقَى الْمُسْلِمُونَ وَالْكُفَّارُ فِي قِتَالٍ وَلَمْ يَزِدْ عَدَدُ الْكُفَّارِ عَلَى مِثْلَيْ عَدَدِ الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يَخَافُوا الْهَلاَكَ وَجَبَ الثَّبَاتُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَحَرُمَ عَلَيْهِمُ الْفِرَارُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.
وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ يَحْرُمُ الْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ عِنْدَ تَلاَقِي الْجَيْشَيْنِ إِلاَّ إِذَا كَانَ الْفِرَارُ تَحَرُّفًا لِقِتَالٍ أَوْ تَحَيُّزًا إِلَى فِئَةٍ.
وَيُشْتَرَطُ لِلْمُصَابَرَةِ أَنْ لاَ يَزِيدَ عَدَدُ الْكُفَّارِ عَلَى مِثْلَيْ عَدَدِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنْ زَادَ عَدَدُ الْكُفَّارِ عَلَى مِثْلَيْ عَدَدِ الْمُسْلِمِينَ فَلَهُمْ أَنْ يَفِرُّوا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: الآْنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ
(1) - شرح مشكل الآثار [2/ 47]
(2) - السِّيَرُ لِأَبِي إِسْحَاقَ الْفَزَارِيِّ (115) صحيح وانظر التفاصيل في الموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية (16/ 157) والموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية (32/ 76)