فهرس الكتاب

الصفحة 331 من 522

قال ابن دقيق العيد:"وَأَمَّا الْقِتَالُ حَمِيَّةٌ: فَالْحَمِيَّةُ مِنْ فِعْلِ الْقُلُوبِ فَلَا يَقْتَضِي ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَقْصُودُ الْفَاعِلِ: إمَّا مُطْلَقًا، وَإِمَّا فِي مُرَادِ الْحَدِيثِ وَدَلَالَةِ السِّيَاقِ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ قَادِحًا فِي الْقِتَالِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، إمَّا لِانْصِرَافِهِ إلَى هَذَا الْفَرْضِ، وَخُرُوجِهِ عَنْ الْقِتَالِ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ، وَإِمَّا لِمُشَارَكَتِهِ الْمُشَارَكَةَ الْقَادِحَةَ فِي الْإِخْلَاصِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَمِيَّةِ: الْحَمِيَّةُ لِغَيْرِ دِينِ اللَّهِ وَبِهَذَا يَظْهَرُ لَكَ ضَعْفُ الظَّاهِرِيَّةِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ، وَيَتَبَيَّنُ أَنَّ الْكَلَامَ يُسْتَدَلُّ عَلَى الْمُرَادِ مِنْهُ بِقَرَائِنِهِ وَسِيَاقِهِ وَدَلَالَةِ الدَّلِيلِ الْخَارِجِ عَلَى الْمُرَادِ مِنْهُ، وَغَيْرِ ذَلِكَ."

فَإِنْ قُلْتُ: فَإِذَا حَمَلْتُ قَوْلَهُ"قَاتَلَ لِلشَّجَاعَةِ"أَيْ لِإِظْهَارِ الشَّجَاعَةِ فَمَا الْفَائِدَةُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِمْ"يُقَاتِلُ رِيَاءً"؟ قُلْتُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالرِّيَاءِ: إظْهَارُ قَصْدِهِ لِلرَّغْبَةِ فِي ثَوَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْمُسَارَعَةِ لِلْقُرُبَاتِ، وَبَذْلِ النَّفْسِ فِي مَرْضَاةِ اللَّهِ تَعَالَى. وَالْمُقَاتِلُ لِإِظْهَارِ الشَّجَاعَةِ: مُقَاتِلٌ لِغَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ، وَهُوَ تَحْصِيلُ الْمَحْمَدَةِ، وَالثَّنَاءِ مِنْ النَّاسِ عَلَيْهِ بِالشَّجَاعَةِ، وَالْمَقْصِدَانِ مُخْتَلِفَانِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَرَبَ فِي جَاهِلِيَّتِهَا كَانَتْ تُقَاتِلُ لِلَّحْمِيَّةِ وَإِظْهَارِ الشَّجَاعَة، وَلَمْ يَكُنْ لَهَا قَصْدٌ فِي الْمُرَاءَاةِ بِإِظْهَارِ الرَّغْبَةِ فِي ثَوَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَالدَّارِ الْآخِرَةِ؟ فَافْتَرَقَ الْقَصْدَانِ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا الْقِتَالُ لِلَّحْمِيَّةِ مُخَالِفٌ لِلْقِتَالِ شَجَاعَةً وَالْقِتَالِ لِلرِّيَاءِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ: يُقَاتِلُ لِطَلَبِ الْمَحْمَدَةِ بِخُلُقِ الشَّجَاعَةِ وَصِفَتِهَا وَأَنَّهَا قَائِمَةٌ بِالْمُقَاتِلِ وَسَجِيَّةٌ لَهُ، وَالْقِتَالُ لِلَّحْمِيَّةِ: قَدْ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ، وَقَدْ يُقَاتِلُ الْجَبَانُ حَمِيَّةً لِقَوْمِهِ، أَوْ لِحَرِيمِهِ"مُكْرَهٌ أَخَاكَ لَا بَطَلٌ"،وَاَللَّهُ أَعْلَمُ." [1] "

الثامن: من المجاهدين من يغزو رياءً وسمعةً وافتخارًا، ليقول عنه الناس: غاز أو شجاع، وهذا ما أراد بغزوه وجه الله، وإذا قتل لا يكون شهيدًا، ولا أجر له عند الله، وهو خليق في صفقته بالخسران، وجدير في آخرته بالمذلة والهوان. وهو أول من تسعر بهم النار يوم القيامة كما في حديث أبو هريرة السابق.

روى مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم:"قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ" [2] .

(1) - إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (2/ 320)

(2) - صحيح مسلم (4/ 2289) 46 - (2985)

(تركته وشركه) هكذا وقع في بعض الأصول وشركه وفي بعضها وشريكه وفي بعضها وشركته ومعناه أنه غني عن المشاركة وغيرها فمن عمل شيئا لي ولغيري لم أقبله بل أتركه لذلك الغير والمراد أن عمل المرائي باطل لا ثواب فيه ويأثم به]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت