ثم ذكر الوعيد على من غل، فقال: {ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة} أي: يأت به حامله على ظهره، حيوانا كان أو متاعا، أو غير ذلك، ليعذب به يوم القيامة، {ثم توفى كل نفس ما كسبت} الغال وغيره، كل يوفى أجره ووزره على مقدار كسبه، {وهم لا يظلمون} أي: لا يزاد في سيئاتهم، ولا يهضمون شيئا من حسناتهم، وتأمل حسن هذا الاحتراز في هذه الآية الكريمة.
لما ذكر عقوبة الغال، وأنه يأتي يوم القيامة بما غله، ولما أراد أن يذكر توفيته وجزاءه، وكان الاقتصار على الغال يوهم -بالمفهوم- أن غيره من أنواع العاملين قد لا يوفون -أتى بلفظ عام جامع له ولغيره. [1]
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: كَانَ عَلَى ثَقَلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -،رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ كِرْكِرَةُ، فَمَاتَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «هُوَ فِي النَّارِ» ،فَذَهَبُوا يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، فَوَجَدُوا عَبَاءَةً قَدْ غَلَّهَا، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ:"قَالَ ابْنُ سَلاَمٍ: كَرْكَرَةُ يَعْنِي بِفَتْحِ الكَافِ: وَهُوَ مَضْبُوطٌ كَذَا" [2] .
في عقوبة الغال:
اعلم أن من غل شيئا في سبيل الله فقد استوجب عقوبتين: عقوبة في الآخرة وعقوبة في الدنيا. وأما عقوبة الآخرة ففي النار والعياذ بالله، فمن غل شيئًا يدخله الله النار، ويلبس مثل ما غل من النار ويأتي يوم القيامة هو ويحمل غله على عنقه وهو يصيح عليه ويفضحه على رؤوس الأشهاد.
هذا الغال لا يكون شهيدا في الآخرة.
وأما عقوبة الغال في الدنيا فان للغلول تأثيرا خطيرا على الجيش لأنه ما ظهر الغلول في قوم إلا ألقى الله في قلوبهم الرعب وأخر عنهم النصر.
وعَنْ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ، قَالَ: قَالَ أَبُو ذَرٍّ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «إِنْ لَمْ تَغُلَّ أُمَّتِي لَمْ يَقُمْ لَهَا عَدُوٌّ أَبَدًا» [3] .
(1) - تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص: 155)
(2) - صحيح البخاري (4/ 74) (3074)
[ش (ثقل) العيال وما يثقل حمله من الأمتعة. (هو في النار) يعذب فيها يوم القيامة على قدر ذنبه ثم يخرج منها إن كان مات على الإسلام]
(3) - الكنى والأسماء للدولابي (3/ 1112) (1940) صحيح