فهرس الكتاب

الصفحة 370 من 522

وعَنْ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «إِنْ لَمْ تَغُلَّ أُمَّتِي لَمْ يَقُمْ لَهُمْ عَدُوٌّ أَبَدًا» قَالَ أَبُو ذَرٍّ لِحَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ: «هَلْ يَثْبُتُ لَكُمُ الْعَدُوُّ حَلْبَ شَاةٍ؟» قَالَ: نَعَمْ وَثَلَاثَ شِيَاهٍ غُزْرٍ، قَالَ أَبُو ذَرٍّ: «غَلَلْتُمْ، وَرَبِّ الْكَعْبَةِ» [1]

وقال القرطبي:"وَمَعْنَى"يَغُلُّ"عِنْدَ جُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَيْ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَغُلَّهُ، أَيْ يَخُونُهُ فِي الْغَنِيمَةِ. فَالْآيَةُ فِي مَعْنَى نَهْيِ النَّاسِ عَنِ الْغُلُولِ فِي الْغَنَائِمِ، وَالتَّوَعُّدِ عَلَيْهِ. وَكَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُخَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - لَا يَجُوزُ أَنْ يُخَانَ غَيْرُهُ، وَلَكِنْ خَصَّهُ بِالذِّكْرِ لِأَنَّ الْخِيَانَةَ مَعَهُ أَشَدُّ وَقْعًا وَأَعْظَمُ وِزْرًا، لِأَنَّ الْمَعَاصِيَ تَعْظُمُ بِحَضْرَتِهِ لِتَعَيُّنِ تَوْقِيرِهِ. وَالْوُلَاةُ إِنَّمَا هُمْ عَلَى أَمْرِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَلَهُمْ حَظُّهُمْ مِنَ التَّوْقِيرِ. وَقِيلَ: مَعْنَى"يَغُلَّ"أَيْ مَا غَلَّ نَبِيٌّ قَطُّ، وَلَيْسَ الْغَرَضُ النَّهْيَ."

وقَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ) أَيْ يَأْتِي بِهِ حَامِلًا لَهُ عَلَى ظَهْرِهِ وَرَقَبَتِهِ، مُعَذَّبًا بِحَمْلِهِ وَثِقَلِهِ، وَمَرْعُوبًا بِصَوْتِهِ، وَمُوَبَّخًا بِإِظْهَارِ خِيَانَتِهِ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ، عَلَى مَا يَأْتِي. وَهَذِهِ الْفَضِيحَةُ الَّتِي يُوقِعُهَا اللَّهُ تَعَالَى بِالْغَالِّ نَظِيرُ الْفَضِيحَةِ الَّتِي تُوقَعُ بِالْغَادِرِ، فِي أَنْ يُنْصَبَ لَهُ لِوَاءٌ عِنْدَ إِسْتِهِ بِقَدْرِ غَدْرَتِهِ. وَجَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْمُعَاقَبَاتِ حَسْبَمَا يَعْهَدُهُ الْبَشَرُ وَيَفْهَمُونَهُ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ الشَّاعِرِ:

أَسُمَيَّ وَيْحَكِ هَلْ سَمِعْتِ بِغَدْرَةٍ ... رُفِعَ اللِّوَاءُ لَنَا بِهَا في المجمع

وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَرْفَعُ لِلْغَادِرِ لِوَاءً، وَكَذَلِكَ يُطَافُ بِالْجَانِي مَعَ جِنَايَتِهِ.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ذَاتَ يَوْمٍ، فَذَكَرَ الْغُلُولَ، فَعَظَّمَهُ وَعَظَّمَ أَمْرَهُ، ثُمَّ قَالَ:"لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ، يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ، لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ فَرَسٌ لَهُ حَمْحَمَةٌ، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ، لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ شَاةٌ لَهَا ثُغَاءٌ، يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ، لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ نَفْسٌ لَهَا صِيَاحٌ، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ، لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ رِقَاعٌ تَخْفِقُ، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ"

(1) - المعجم الأوسط (8/ 105) (8108) صحيح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت