فهرس الكتاب

الصفحة 284 من 1092

{ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَآءَ الْجِنَّ } [الأنعام: 100] إن جعلت { لِلَّهِ شُرَكَآءَ } [الأنعام: 100] مفعولي { جَعَلُوا } كان { الْجِنَّ } بدلًا من { شُرَكَآءَ } وإلا كان { شُرَكَآءَ الْجِنَّ } [الأنعام: 100] مفعولين قدم ثانيهما على الأوّل ، وفائدة التقديم استعظام أن يتخذ لله شريك من كان ملكًا أو جنيًا أو غير ذلك ، والمعنى أنهم أطاعوا الجن فيما سولت لهم من شركهم فجعلوهم شركاء لله { وَخَلَقَهُمْ } أي وقد خلق الجن فكيف يكون المخلوق شريكًا لخالقه؟ والجملة حال ، أو وخلق الجاعلين لله شركاء فكيف يعبدون غيره؟ { وَخَرَقُوا لَهُ } [الأنعام: 100] أي اختلقوا يقال: خلق الإفك وخرقه واختلقه واخترقه بمعنى ، أو هو من خرق الثوب إذا شقه أي اشتقوا له { بُنْيَـانٌ } كقول أهل الكتابين في المسيح وعزير { وَبَنَاتُ } كقول بعض العرب في الملائكة.

{ وَخَرَقُوا } بالتشديد للتكثير: مدني لقوله { بَنِينَ وَبَنَـات } [الأنعام: 100] { بِغَيْرِ عِلْمٍ } [النحل: 25] من غير أن يعلموا حقيقة ما قالوا من خطأ أو صواب ولكن رميًا بقول عن جهالة ، وهو حال من فاعل أي جاهلين بما قالوا { عِلْمٍ سُبْحَـانَهُ وَتَعَـالَى عَمَّا يَصِفُونَ } [الأنعام: 100] من الشريك والولد { بَدِيعُ السَّمَـاوَاتِ وَالارْضِ } [الأنعام: 101] يقال بدع الشيء فهو بديع وهو من إضافة الصفة المشبهة إلى فاعلها يعني بديع سمواته وأرضه ، أو هو بمعنى المبدع أي مبدعها وهو خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأ وخبره { أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ } [الأنعام: 101] أو هو فاعل

{ تَعَـالَى } { وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَـاحِبَةٌ } [

جزء: 2 رقم الصفحة: 35

الأنعام: 101]أي من أين يكون له ولد والولد لا يكون إلا من صاحبة ولا صاحبة له ، ولأن الولادة من صفات الأجسام ومخترع الأجسام لا يكون جسمًا حتى يكون له ولد { وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ } [الأنعام: 101] أي ما من شيء إلا وهو خالقه وعالمه ومن كان كذلك كان غنيًا عن كل شيء والولد إنما يطلبه المحتاج { ذالِكُمْ } إشارة إلى الوصوف بما تقدم من الصفات وهو مبتدأ وما بعده أخبار مترادفة وهي { اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَـاهَ إِلا هُوَ خَـالِقُ كُلِّ شَىْءٍ } [الأنعام: 102] وقوله { فَاعْبُدُوهُ } مسبب عن مضمون الجملة أي من استجمعت له هذه الصفات كان هو الحقيق بالعبادة فاعبدوه ولا تعبدوا من دونه من بعض خلقه { وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ } [الأنعام: 102] أي هو مع تلك الصفات مالك لكل شيء من الارزاق والآجال رقيب على الأعمال { لا تُدْرِكُهُ الابْصَـارُ } [الأنعام: 103] لا تحيط به أو أبصار من سبق ذكرهم.

وتشبث المعتزلة بهذه الآية لا يستتب لأن المنفي هو الإدراك لا الرؤية ، والإدراك هو الوقوف على جوانب المرئي وحدوده ، وما يستحيل عليه الحدود والجهات يستحيل إدراكه لا رؤيته ، فنزل الإدراك من الرؤية منزلة الإحاطة من العلم ، ونفى الإحاطة التي تقتضي الوقوف على الجوانب والحدود لا يقتضي نفي العلم به فهكذا هذا ، على أن مورد الآية وهو التمدح يوجب ثبوت الرؤية إذ نفي إدراك مع تحقق الرؤية إذا انتفاؤه مع تحقق الرؤية دليل ارتفاع نقيصة التناهي والحدود عن الذات ، فكانت الآية حجة لنا عليهم.

ولو أمعنوا النظر فيها لاغتنموا التفصي عن عهدتها ، ومن ينفي الرؤية يلزمه نفي أنه معلوم موجود وإلا فكما يعلم موجودًا بلا كيفية وجهة بخلاف كل موجود لم يجز أن يرى بلا كيفية وجهة بخلاف كل مرئي ، وهذا لأن الرؤية تحقق الشيء بالبصر كما هو ، فإن كان المرئي في الجهة يرى فيها وإن كان لا في الجهة يرى لا فيها { وَهُوَ } للطف إدراكه للمدركات { يُدْرِكُ الابْصَـارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ } [الأنعام: 103] أي

العالم بدقائق الأمور ومشكلاتها { الْخَبِيرُ } العليم بظواهر الأشياء وخفياتها وهو من قبيل اللف والنشر.

جزء: 2 رقم الصفحة: 35

{ قَدْ جَآءَكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ } [الأنعام: 104] البصيرة نور القلب الذي به يستبصر القلب كما أن البصر نور العين الذي به تبصر أي جاءكم من الوحي والتنبيه ما هو للقلوب كالبصائر { فَمَنْ أَبْصَرَ } [

جزء: 2 رقم الصفحة: 41

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت