فهرس الكتاب

الصفحة 848 من 1092

فإن قلت: حق الاعتراض أن يؤكد المعترض بينه وبينه.

قلت: ما في الاعتراض من دعاء الرسول الله صلى الله عليه وسلّم ربه بأمر من الله وقوله { أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ } [الزمر: 46] ثم ما عقبه من الوعيد العظيم ، تأكيد لإنكار اشمئزازهم واستبشارهم ورجوعهم إلى الله في الشدائد دون آلهتهم كأنه قيل: يا رب لا يحكم بيني وبين هؤلاء الذين يجترئون عليك مثل هذه الجرأة إلا أنت ، وقوله: { وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا } [الزمر: 47] متناول هم ولكل ظالم إن جعل عامًا ، أو إياهم خاصة إن عنيتهم به كأنه قيل: ولو أن لهؤلاء الظالمين ما في الأرض جميعًا ومثله معه لافتدوا به حين حكم عليهم بسوء العذاب ، وأما الآية الأولى فلم تقع مسببة وما هي إلا جملة ناسبت جملة قبلها فعطفت عليها بالواو نحو"قام زيد وقعد عمرو"، وبيان وقوعها مسببة أنك تقول: زيد يؤمن بالله فإذا مسه ضر التجأ إليه ، فهذا تسبيب ظاهر ، ثم تقول: زيد كافر بالله فإذا مسه ضر التجأ إليه ، فتجيء بالفاء مجيئك بها ثمة كأن الكافر حين التجأ إلى الله التجاء المؤمن إليه مقيم كفره مقام الإيمان في جعله سببًا في الالتجاء { قَدْ قَالَهَا } [الزمر: 50] هذه المقالة وهي قوله { إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْم } [الزمر: 49] { الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } [فاطر: 25] أي قارون وقومه حيث قال: { إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِى } [القصص: 78] (القصص: 87) وقومه راضون بها ، فكأنهم قالوها ، ويجوز أن يكون في الأمم الخالية آخرون قائلون مثلها { فَمَآ أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ } [الحجر: 84] من متاع الدنيا وما يجمعون منها.

جزء: 4 رقم الصفحة: 90

{ فَأَصَابَهُمْ سيئات مَا كَسَبُوا } [الزمر: 51] أي جزاء سيئات كسبهم ، أو سمى جزاء السيئة سيئة للازدواج كقوله: { وَجَزَاؤُا سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا } [الشورى: 40] (الشورى: 04) .

{ وَالَّذِينَ ظَلَمُوا } [الزمر: 51] كفروا { مِنْ هؤلاء } [الزمر: 51] أي من مشركي قومك { سَيُصِيبُهُمْ سيئات مَا كَسَبُوا } [الزمر: 51] أي سيصيبهم مثل ما أصاب أولئك ، فقتل صناديدهم ببدر وحبس عنهم الرزق فقحطوا سبع سنين { وَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ } [الزمر: 51] بفائتين من عذاب الله ، ثم بسط لهم فمطروا سبع سنين فقيل لهم

{ أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ } [الزمر: 52] ويضيق.

وقيل: يجعله على قدر القوت { إِنَّ فِى ذَالِكَ لايَـاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } [النحل: 79] بأنه لا قابض ولا باسط إلا الله عز وجل.

جزء: 4 رقم الصفحة: 92

{ قُلْ يَـاعِبَادِىَ الَّذِينَ } [الزمر: 53] وبسكون الياء: بصري وحمزة وعلي { أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ } [الزمر: 53] جنوا عليها بالإسراف في المعاصي والغلو فيها { لا تَقْنَطُوا } [الزمر: 53] لا تيأسوا ، وبكسر النون: علي وبصري { مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا } [الزمر: 53] بالعفو عنها إلا الشرك ، وفي قراءة النبي عليه السلام يغفر الذنوب جميعًا ولا يبالي ، ونظير نفي المبالاة نفي الخوف في قوله { وَلا يَخَافُ عُقْبَـاهَا } [الشمس: 15] (الشمس: 61) .

قيل: نزلت في وحشي قاتل حمزة رضي الله عنه ، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلّم:"ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية" { إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ } [يوسف: 98] بستر عظائم الذنوب { الرَّحِيمُ } بكشف فظائع الكروب { وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ } [الزمر: 54] وتوبوا إليه { وَأَسْلِمُوا لَهُ } [الزمر: 54] وأخلصوا له العمل { مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ } [الزمر: 54] إن لم تتوبوا قبل نزول العقاب { وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم } [الزمر: 55] مثل قوله: { الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُا } [الزمر: 18] ، وقوله { مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ } [الزمر: 55] أي يفجؤكم وأنتم غافلون كأنكم لا تخشون شيئًا لفرط غفلتكم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت