حتى ابن رشد الفيلسوف، ابن رشد اثنان: محمد بن رشد الجد، ومحمد بن رشد الحفيد، الحفيد كان فيلسوفًا حتى أُجريت له محاكمة لقوله بأقوال الفلاسفة، وله أقوال باطلة كما في كتابه (فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال) ، كتاب فيه فساد، وفيه أغلاط، مع أنه يعظم الشريعة، أفضل من الفارابي وأفضل من ابن سينا، هؤلاء لا يعظمون الشريعة.
ولكن ابن رشد كان فقيهًا وقاضيًا، وهو صاحب كتاب (بداية المجتهد) ، هذا كتاب من أفضل كتب الفقه للمبتدئ لمعرفة أسباب خلاف الفقهاء، يأتي لك بالمسألة ويذكر لك خلاف العلماء فيها، وإن كان فيه بعض الهنات أنه ينسب لبعض المذاهب ما ليس مُفتىً بها، ولكنه كتاب من أجود الكتب للمبتدئ في قراءة ما يسمى اليوم بالفقه المُقارَن، أما العلماء قديمًا كانوا يسمونه فقه الاختلاف، أو اختلاف الفقهاء، وألَّف فيه جماعة كُثر من أهل العلم.
فابن رشد مثلًا تراه عظيمًا أفضل بكثير من متكلمي الأشاعرة في باب الطبيعيَّات، ويرد على الأشاعرة في نظرية الجوهر والعَرَض، والقَدَر التي سموها اليوم بنظرية الذَّرة -ارجعوا لأشرطة الإيمان شرحتها هناك-. فتجد أن الفلاسفة في الطبيعيات لهم كلام طيب معقول، ولكنهم حين يتكلمون في الإلهيات على المذهب الغنوصي، الإشراق، النفي المحض كلهم، لذلك هناك لقاء ما بين الفلاسفة في تاريخنا وما بين الباطنية، أما المتكلمون في باب الإلهيات فأقرب، الأشاعرة في باب الكلام عن الله -عز وجل- وأسمائه وصفاته كلامهم أقرب بكثير من هؤلاء الضُّلال، لكنهم في باب الطبيعيات، نظرية الجبر المتلبِّسون بها من أفسد ما يمكن أن يقول به عاقل.
أطلنا ولكن لأجل أن تتصوَّرا كيف ينتُج النفي الذي يقول به الإسماعلية الدرزية، لماذا نتج ما يقال لهم الدرزية؟ وقلنا لفظ الدرزية لفظ متأخر، لا يوجد في كتب الأوائل، حتى في كتب شيخ الإسلام ابن تيمية -عليه رحمة الله- لا وجود لها ولا في كتب لسيوطي، يعني القرن الثامن الهجري والتاسع الهجري لا وجود لكلمة الدرزية.
الذي يقوله الإسماعلية كما في كتبهم مثل (راحة العقل) للكرماني، النفي المحض لا بد أن يتصور إلهًا، حينئذ تبدأ الأسئلة؛ هذا الكون كله الله؟ لا، لا بد من تخصيصه في بعض الفضلاء، ومن هنا تأتي نظرية الحلول، ولذلك يقول شيخ الإسلام:"النصارى دينهم أقرب من دين الصوفية الغلاة".