ما ضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومًا بيده جارية أو أَمَة أو طفلًا أو مسلمًا قط، وتعرفون حادثته مع سواد عندما كان يصحح صفوف المسلمين في أحد، فكان صدر سواد بارزًا فضربه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال له: (استوِ) ، فقال:"يا رسول الله أوجَعْتَني"، فقال: (القصاص) ، فكشف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بطنه فاعتنقه سواد وقبله، قال: (ما حملكَ على هذا يا سواد؟) ، قال:"يا رسولَ اللهِ حضَر ما ترى فأردتُ أن يكون آخرُ العهدِ بك أن يمَسَّ جلدي". [1] فما ضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيده عبدًا ولا أمة ولا طفلة.
وكان من أدبه - صلى الله عليه وسلم - أن الأَمَة تأخذ بيده، تصور هذا وقارن بين النبي - صلى الله عليه وسلم - في خُلقه وبين قادة الجماعات الإسلامية أصحاب الكرفتات، الذين لا ترونهم إلا في التلفزيون مثل الحُكّام الطواغيت! كانت تأتي إليه الأمة -العبدة الصغيرة- وتشد بيده فيمشي معها وتمشي به في طرقات المدينة حتى تقضي حاجتها.
وما كان يستنكف أن يقضي حاجة الناس، وهو - صلى الله عليه وسلم - في مكة جاء رجل من الأعراب يطلب قضاء دين من أبي جهل فطرده أبو جهل وسبه، فقال الناس:"لا يقضي لك حاجتك من أبي الحكم إلا هذا الرجل"، وأشاروا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأرادوا الاستهزاء به، فجاء إليه وقال:"يا هذا، الناس أرسلوني وهذا الرجل قد ظلمني حقي"، قال: (أين هو؟) ، قال:"متوسد في الكعبة"، فمشى معه النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى وقف على رأس أبي جهل فقال له: (يا أبا الحكم رُدّ لهذا دَيْنه) ، فقال:"أبشر يا محمد"، وأخرج المال وأعطاه، فانصرف النبي - صلى الله عليه وسلم - وانصرف الرجل، فسأله الناس عن هذا فقال:"والله ما رأيت إلا وحشًا معه فاغِرًا فاه، إذا قلت: لا، سيلتَقِم رأسي"، فانظروا إلى أدبه - صلى الله عليه وسلم - يقضي حاجة الناس.
وكان إذا دخل بيته صنع ما يصنع أهله؛ فيخصف نعله ويرقع ثوبه ويفلي بدنه، وهو - صلى الله عليه وسلم - لو سأل ربه أن يجري معه بطحاء الجزيرة ذهبًا والله لجرت وراءه، {إِنَّا أعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَر} [الكوثر/1] ، ومع ذلك - صلى الله عليه وسلم - كان بمثل هذه الخصال؛ شجاعةً ورحمةً على أمته، وأما على أعداء الله -عز وجل- فلم يُعْلم عن - صلى الله عليه وسلم - إلا الشدة عليهم، لأنه لا يمكن أن توجد الرحمة في قلب المرء على المؤمنين إلا وتجتمع معها الشدة على الكافرين.
(1) قال الألباني في السلسلة الصحيحة: (إسناده حسنه) .