-الشيء الثالث الذي انتشر عنهم أنهم يكفّرون بالكبيرة، وكما قلت لكم: جميع الخوارج يقولون بهذا، ومن خالف من الخوارج فهو وإن خالفهم في الدنيا ولكنه يقول بقولهم في المآل، يعني الإباضية يقولون عن العاصي الذي يقترف الكبيرة أنه كافر كفر نعمة في الدنيا، لكنه في الآخرة من دخل النار لا يخرج منها أبدًا.
هذه هي مبادئ الخوارج، والأولى والثانية أصرح، وإن كانت الثالثة كذلك موجودة، أي القول بتكفير العصاة.
الإباضية الآن موجودون، ولهم دعاتهم ولهم رجالهم، وتنتشر الخارجية بسبب انتشار الجهل وقلة السنة، والردود عليهم معروفة.
الرد عليهم بتكفير صاحب الذنب، الله -سبحانه وتعالى- قال: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ} ، {وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ} فجعل المعاصي على مراتب.
ثم إن شارب الخمر لو كان كافرًا لقتله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولم يجلده الرسول - صلى الله عليه وسلم - وإنما فعل ذلك عمر -رضي الله عنه- بفتوى علي وباتفاق الصحابة، وإلا فكان شارب الخمر مثلًا -وهي كبيرة من الكبائر- يدخل فيقوم الناس يضربونه بنعالهم وأثوابهم، فلما كثُر هذا وأصبح ليس له ضابط؛ استشار عمر -رضي الله عنه- الصحابة ماذا يفعلون؟ فقال علي: إنه إذا شرب سكر وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى، وحدُّه حد المفتري، ثمانين جلدة، فجلدوها لشارب الخمر.
الزاني الذي لا يكون محصنًا عليه كم؟ ثمانون جلدة، وهي معصية، فلو كانت كفرًا ليس له إلا القتل.
وهكذا الردود عليهم كثيرة، عدم الدخول في طاعتهم وعدم الدخول في ديارهم هذا مُبيّن ومشروح، فالرد على الخوارج أشهر من أن يُعرف. ولكن وصف النبي - صلى الله عليه وسلم - قاعدة الخوارج وهي: (يَقتُلونَ أهلَ الإسلامِ ويَدَعونَ أهلَ الأوثانِ) [1] ، هذه سِمة في الحقيقة تغلب على أقوام يتأثرون بفكر الخوارج. ترى الرجل إذا تحدَّث عن النصارى واليهود وأهل الأوثان تحدث عنهم برفق وليونة وسماحة، لكنّه حين يتحدث عن أهل الإسلام يتحدث عنهم بغلظة وشدة، بل إن بعضهم قال: إن هؤلاء المبتدعة من المسلمين المخالفين له أشر من اليهود والنصارى.
(1) صحيح البخاري: (7432) .