ثانيًا: هم لا يتصوَّرون إلا الإرادة بمعنى الشرعية، يجعلون الإرادة الكونية والإرادة الشرعية شيئًا واحدًا وهو الإرادة الشرعية فقط، لا يتصورون المشيئة إلا مرتبطة بالحب وبالرضا. فإذا قلتم إن الله -عزَّ وجلَّ- لم يشأ ولا يريد هذا، فجاء الإنسان وفعل فمن أقوى؟ الأقوى من فعل فقد غلب.
ولذلك ذكر أهل السنة مجموعة من الأخبار ذكرها ابن القيم في (طريق الهجرتين) وهي قصص يسيرة جدًا حدثت مع مسلمين بسطاء، أعراب وغيرهم، مع قادة وزعماء القدريَّة.
وواصل بن عطاء كان جالسًا في المسجد فدخل رجل عليه، وقال: ادع الله أن يرد إليّ حماري فقد سُرق، فرفع واصل يديه. وما قيمة الدعاء؟! لأنه لما أنت تقول: يا رب رد إليّ الحمار، أصلًا الحمار سُرق ضد إرادة الله، فلو أراد الرب أن يعود فلن يعود، لأن إرادة الإنسان هي الجارية، وهذا الفعل فُعل ضد إرادة الرب وفوق إرادته، ومن هنا تُبطَل الشرائع بقولهم هذا.
فرفع يديه واصل وقال:"اللهم إنك لم تُرِد أن يُسرق الحمار فسُرق، اللهم رد عليه حماره"، فقال الأعرابي:"قبَّحك الله! آيستني من رجوعه، أراد ألا يُسرق فسُرق، والآن يريد أن يرجع فلا يرجع!".
المهم أن المعتزلة هم الذين تبنوا القول بالقدر، وباد القدرية الأوائل وصارت القدرية صفة لاصقة للمعتزلة.
كما يقول عبد الجبار الهمداني: لا يكون رجل معتزليًا حتى يقول بالمبادئ الخمس:
"أولًا التوحيد، ثانيًا العدل، ثالثًا منزلة بين المنزلتين، رابعًا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، خامسًا الوعد والوعيد".
هذه هي المبادئ الخمسة، فالقول بالقدر هو عندهم من باب العدل؛ لأنه إذا شاء الرب للعبد أن يفعل إذًا أجبره، وإذا شاء الرب فقد أحب، وإذًا جوزتم على الله أن يحب الباطل وأن يحب المعصية.
لكن السؤال: لماذا سمي هؤلاء بالقدرية، وهم ينفون عن الله القدر وينسبونه إلى أنفسهم؟ ونحن رأيناكم تنسبون للفرق الأسماء حين تنسب الفرق أشياء إلى الرب، كالجبرية؛ ينسبون إلى الله أنه يجبر، فكيف قلتم قدرية وهم نفوا القدر عن الله؟ قيل: أنتم نفيتموه عن الله ونسبتموه إلى أنفسكم، فسُميتم بالقدريَّة لهذا السبب.
الآن لماذا سمي المعتزلة بهذا الاسم؟ الأسباب كثيرة، بعضهم يقول: لأنهم اعتزلوا القتال بين الصحابة، على أساس أن المعتزلة أوجدها الصحابة الذين اعتزلوا القتال بين علي وبين معاوية.