فقالوا: البيان العربي يمكن أن يدل على معانٍ متعدِّدة، فقالوا: إذًا دلالة القرآن والسنة على مراد الله دلالة ظنية، ما دام إن اللفظ له معنى ظاهر وله معانٍ متعددة أخرى، فدلالة هذا اللفظ على المراد هل هي دلالة يقينية جازمة؟ لا، إذًا هي دلالة ظنية. قالوا إذًا دلالة القرآن والسنة على المراد الإلهي دلالة ظنية يمكن أن يُؤوَّل، لكن العقل لا يمكن أن يقول إلا بالصواب. ما هو العقل؟ هذه هي التي يجب أن نقف عندها بعد ذلك.
إذًا قدَّموا وقالوا: ما دام أن العقل فيما يقوله لا يدل إلا على قول واحد، فدلالته على المراد يقينية ولا ظنية؟ دلالة يقينية، ودلالة الكتاب والسنة على المراد الإلهي دلالة ظنية، إذًا مَن المُقدَّم؟ المقدَّم هو العقل على الكتاب والسنة. طيب القرآن حمَّال أوجُه أما السنة قاصمة، ذكرنا لكم قول ميمون بن مِهران البارحة:"السنة قاضية على الكتاب"أي: مُفسِرَّة له.
فالسنة مُفصِّلة، دلالة القرآن قلنا ربما لإجمال القرآن بالرغم أنه كما قال سلفنا -وهذا باب في الأصول مهم-:"لا توجد آية في القرآن يحتج بها مبتدع إلا وفيها الدلالة في الرد على بدعته"، كقوله لما قالوا {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} أخذوا هذه اللفظة القرآنية للدلالة على نفي مشابهة الله -عزَّ وجلَّ- لخلقه لا في الذات ولا حتى في الاسم، فماذا يُرد عليهم؟ بقوله: {وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} . وإذا قالوا: سَمْعٌ كسَمْع البشر ردَّت الآية: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} ، فالآية بذاتها ترد على الفريقين. لكن هذا يحتاج إلى غوص، أما السنة فواضحة.
لذلك ذهب المعتزلة إلى سبِّ الصحابة واتهموهم، حتى إن بعضهم اتَّهم الصحابة بأنهم من الحشويَّة. ما هو الحشو؟ لغة يُطلق على معنين: الحشو أي الرَّذالة والشيء السيء، حشو الشيء لا قيمة له. لما يصنعوا عندكم وسادة ماذا يضعون فيها؟ يضعون فيها شيئًا جيدًا أم رديئا؟ فحشو الشيء رذالتُه. وحشو الشيء إلى حاشيته، يُقال حاشية الشيء يعني إلى طرفه، فهناك أصل وهناك حاشية وهي دالَّة على نفس المراد. فقالوا: إن بعض الصحابة حشويَّة، قالوا: بعض الصحابة بوَّالٌ على عقبيه، فلا يفهم. واتهموا أبا هريرة بالجهل، واتهموا أنسًا. بل كما تعرفون المعتزلة منهم من كفَّر الفريقين كالخوارج، واصل بن عطاء كان يكفِّر عثمان وعليًا ومعاوية. إذًا جاءوا إلى السنة فاتَّهموا الصحابة حتى لا يلتزموا بما رواه الصحابة من أحاديث.