فهرس الكتاب

الصفحة 183 من 274

فقدَّموا العقل، وأي عقل يقصدون؟ العقل الذي حسبوه يقينيًا، مما قاله أهل العقل الأوَّل عندهم وهم اليونان، ولذلك ترجموا كتب اليونان. ولذلك يقول شيخ الإسلام عن المأمون:"ما أظن أن الله سيسامح هذا الرجل أو يغفل عمَّا فعل لما فَتَق من ترجمة كتب اليونان إلى دار الإسلام".

طبعًا أهل الإسلام يذكرون في التواريخ أخبارًا عجيبة في باب الترجمة، وهو أن المسلمين طلبوا من النصارى الكتب التي عندهم، فرفض النصارى في بداية الأمر أن يرسلوا هذه الكتب إلى المسلمين، فقال دهاقنتهم وكبراؤهم:"هذه الكتب نزلت في أقوامنا فتحاربوا بسببها واقتَتَلُوا وافتَتَنُوا، فأرسلوها لهم فَلْيَفتِتنوا"، وهذا الخبر ذكره البخاري في (خلق أفعال العباد) ، وذكره الإمام أحمد في (الرد على الجهمية والزنادقة) ، فدخلت هذه الكتب وتُرجمت، فصار ما قاله هؤلاء.

كيف حصلت الفتنة؟ حصلت الفتنة أنهم وجدوا لهؤلاء الفلاسفة اليونان كلامًا في الطبيعيَّات صحيحًا، وجدوهم يتكلمون عن الطول وعن العرض، ويتكلمون عن الخط المستقيم وعن الهندسة، وهو كلام صحيح. يعني نظرية أرخميدس هذا الذي قال:"وجدُّتها وجدُّتها"، نظرية صحيحة، وهذه نظرية معروفة وهي التي تعبِّر عن الحجم، فهذه نظريات صحيحة في الطبيعيات، كما قلنا سابقًا إن الفلاسفة في باب الطبيعيَّات أسلم من المتكلمين، والمتكلمون أسلم من الفلاسفة في باب الإلهيَّات.

فلما وجدوا هذا الكلام موافقًا لما يروه في الطبيعيات ظنوا أن الكلام في الإلهيات يجري على هذا المجرى فالتزموه، وصاروا يحاولون التَّوفيق بين ما أخذوه من اليونان وبين ما جاء به الكتاب والسنة. وكل خبر عارض ما استقل به العقل اليوناني ردُّوه وزعموا أنه مكذوب، أو أنه لم يُنقل بالطريقة الصحيحة. وأتوا ببدعة جديدة؛ حتى لو صحَّ الحديث، لو جاءهم من أبي بكر الصِّديق، وهذا متَّفقٌ عليه ولا يُقال عنه حشوي ولا يُقال عنه شيء. فماذا صنعوا؟ أتوا ببدعتين:

البدعة الأولى: وهي أن هذا من أخبار الآحاد، وخبر الآحاد هل يمكن أن يَهِمَ الراوي فيه؟ نعم ممكن، فيمكن أن يهم إذًا هذا تمام صدق الخبر فيه إلى المُخبِر وهو النبي - صلى الله عليه وسلم - دلالة ظنية، فممكن أن يغلط الراوي، فلا يمكن أن نقبل الحديث إذا جاء من طريق الآحاد، لا بد أن يكون الحديث حتى نقبله متواترًا، فأتوا بالبدعة الثانية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت