فنحن نتكلم عن الغيب، والغيب له أسلوبه، له حياته. لما يأتي في الحديث: (سَيحانُ وجَيحانُ، والفراتُ والنِّيلُ، كلٌّ من أنهارِ الجنَّةِ) [1] ، يأتي واحد يقول لك: كيف الجنة أنا أنظر وأراها تخرج من باطن الأرض؟ ما دام أن الكلام دخل شق الغيب فيجب أن تصمت، فلا ندري.
فعالم الغيب لا يجوز لك أن تقيسه على عالم الشهادة، هذا واحد.
الشيء الثاني: أن الأمر متعلِّق بالتشريع: حلال حرام، يحبه الله، لا يحبه الله. الأصل أنك عبد، هل حين يأتي الأمر تفكِّر كم يُحصِّل هذا الأمر من منفعة لك؟ يعني كان الصحابة إذا قيل لهم صلوا هل أول ما يخطر على بال من صدر له الأمر كم تُحصِّل له هذه الأوامر من منافع، أم ينظر إلى امتثال الأمر أولًا؟ إلى امتثال الأمر، بعد ذلك ينظر إلى ما يُقال له، بعد ذلك يرى المصلحة، يرى أن الصلاة حلَّت له المشاكل: {اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} ، وجدها تضيع الهموم، وجدها تزيد الثقة بالله، وجدها تفتح له أبواب الخير، تحصل له التنزُّلات، كما قالوا: كان عمر -رضي الله عنه- يفُكّ مشاكل الجيوش وهو في الصلاة. وهذا من تمام العبودية، يجمع بين الأمرين: بين عبودية الله وبين قيامه بما يجب عليه من الإمامة، كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - بالناس إمامًا ويرقب شِعب الجبل ينتظر رسوله أين يأتيه، فجمع بين الأمرين: عبودية الله التي وجبت في حقه، وقيامه بإمامة المسلمين.
الآن قلبوا القضية، قالوا: أولًا نحن ننظر للتشريع ماذا يحقق لنا من منفعة، وفتحوا باب المصلحة. ونظروا إلى أحاديث لم تعجبهم وقالوا: هذه لا توافق العقول، فردوها، ردوا السنة. القرآن تلعبوا به -أي أفراخ المعتزلة- ولما فتحوا هذا الباب فتحوا إمكانية أن الأمر القرآني لا يدل على المراد، فيمكن أن نؤوِّله، والحقيقة أنهم يتلاعبون به.
والتأويل لا بد له من صوارف:
1.إما صارف لُغوي اللغة تحتمله كقوله - صلى الله عليه وسلم - مثلًا: (الجار أحقُّ بِصَقَبِه) [2] ، والجار هنا الشريك، احتملتها اللغة.
2.وإما صارف عُرفي كما في القرآن: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ} سماهم الأولاد، والناس لا يُسمُّون الأولاد إلا للذكور.
(1) صحيح مسلم: (2839) .
(2) صحيح البخاري: (6980) .