فهرس الكتاب

الصفحة 197 من 274

انتشر الصحابة في البلدان ولا بد أن يكون لهم أمصار خاصة بهم، ينشئونها بأصول التقوى: {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ} ، خططوا المدن تخطيطًا خاصًا لأهل الإسلام، في الوسط يكون المسجد ودار الإمارة ودار الجند، وبعد ذلك الأسواق وبعد ذلك البيوت، ويقسمونها أرباعًا حتى يُسمى الرَّبْع، رَبْع بني فلان، ولذلك لما قال:"هل ترك لنا عقيل من دار أو رباع"، لأنهم كانوا يقسمون المدن إلى رباع. ويُقال: الرَّبْع لأنهم كانوا يُربِعون فيها أي يقضون الربيع فيها، فتجد أن المدن التي بناها أهل الإسلام مدن رائعة، تجد الأعمال العظيمة.

لكن تجد في الجانب الآخر من انشغلوا بالكلام فأفسدوا الأمة وعطَّلوا عليها طاقتها، والإنسان له طاقة إما أن يبذلها في العمل وإما أن يبذلها في الكلام، والكلام لا يأتي منه خير إنما الخير في العمل، والكلام لا يكون فيه خير إلا فيما يُنتج عملًا: فيما يُنتج عملًا، كيف أنت تصلي، كيف تتصدَّق، كيف تجاهد، كيف تحسن إلى إخوانك، كيف ترفق بالصغير، كيف تحسن إلى زوجك، كيف تعلم أبناءك، وهكذا. فالإنسان مشغول وهذا هو العابد.

ولذلك أيها الإخوة الأحبة الحديث في الكلاميات يٌفسد، والكتب الكلامية أفسدت الأمة، لكن: من أحياها في هذا الوقت المعاصر؟

الآن لو سألتكم هل هناك بيت من بيوت المسلمين يخلو من (إحياء علوم الدين) ؟ لا، لا تجد بيتًا يخلو منه، من أوائل الكتب التي طُبعت، حتى شرحه (تحفة المتقين) للمرتضى الزبيدي كذلك من الكتب التي طُبعت قديمًا، وكتاب (الُّلمع) لأبي نصر الطوسي من الكتب القديمة، لكن هناك كتب في السنة اليوم فقط تُحقَّق! المسانيد والأجزاء الحديثية، بل إن صحيح البخاري لا يوجد بين يدي الناس منه إلا روايتين فقط! وله روايات متعددة الناس بحاجة لها، والناس لا يعرفون إلا رواية خليط بين هذه الروايات التي حقَّقها الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد.

إذًا أين الاهتمام بالسنة؟ الاهتمام المتأخر، الاهتمام الأول كان الاهتمام بكتب الصوفية وبكتب المتكلمين -تحت أبواب الاهتمام بالعقائد-، بل إن الجامعات والمدارس والمحافل تهتم بكتب المتكلمين كالأشاعرة، الأزهر تجد الرجل في الحديث يقول لك: رواه البخاري والمرجع (نيل الأوطار) ، دكتور هذا! يقول لك: رواه البخاري والمرجع (المغني) في فقه الحنابلة، لا يستطيع أن يرجع للحديث في البخاري. لكنه في الكلام يدرس المنطق ويدرس

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت