فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 274

هذا هو العامل الأول، حتى إن النبي -عليه الصلاة والسلام- رأى يومًا صحفًا من التوراة بيد الفاروق عمر -رضي الله تعالى عنه- فغضب النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: (أمُتهوِّكون أنتم؟) ، أي: أضالون أنتم؟ فالتهوُّك هو الضلال، (أمتهوكون أنتم؟ والذي نفسُ محمدٍ بيدِه لو كان موسَى بينَ أظهرِكم ثم اتبعتموهُ وتركتموني لضللتمْ ضلالًا بعيدًا أنتم حَظِّي من الأممِ وأنا حَظُّكُمْ من النبيينَ) [1] ، فقام عمر ومزقها.

إذن كان الصحابة -رضي الله عنهم- لا يأخذون شيئًا مما يحتاجون إليه في معرفة الحق إلا من كتاب الله ومن سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وليس هذا لعجزهم عن قراءة مذاهب القوم، وليس هذا لقلة وجود المذاهب والفرق والأديان في عصرهم، بل كما رأيتم كانت المذاهب وكانت الأديان تعيش بينهم، وكان لها دعاتها وأبناؤها ورجالها، ومع ذلك كان الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- لا يأخذون إلا من الكتاب والسنة.

فهذا التلقي الوحيد من المصدر الوحيد جعل الاشتراك عند الجميع بفهم واحد. نعم، تتفاوت الأذهان وتتفاوت العقول ولكن الأصل واحد، ويكون التفاوت بمقدار الفهم على هذا الأصل، أما الأصل فيتفق عليه الناس، هذا هو العامل الأول، وقلت لكم ارجعوا إلى الباب الأول من كتاب (معالم في الطريق) تجدون هذا مفصلًا.

العامل الثاني:

أما العامل الثاني فهو اللغة العربية التي نزلت بها هذه الرسالة، والتي نزل بها القرآن، والتي خاطب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصحابه بها، فالعربية هي وعاء هذا الدين، إذا انثلم الوعاء أو تلوّن أو اتّسخ فإنه يؤثّر على ما فيه من موضوع، ويؤثر على ما فيه من مادة؛ ولذلك يقول بعض السلف -وهو أبو عمرو بن العلاء-:"إن من رحمة الله بالعجمي إذا أسلم أن يوفَّق لصاحب سنة"؛ لأن العجمي لا يفهم العربية فهو يُهدى إلى الإسلام ولكنه لا يفهم تفصيل ما في الإسلام، فإذا هُدي إلى صاحب بدعة فسيلُقّنه بدعته، وإذا هُدي إلى صاحب سنة فإنه سيعلمه السنة.

فاللغة العربية كانت في أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - واضحة ولم يدخل اللحن -وهو الخطأ-، ولم تدخل العُجمة على ألسنتهم، وإذا دخلت العجمة على اللسان فستدخل على العقل؛ لأن لغة المرء هي مرآة لعقله، كما قال أهل اللغة

(1) قال الألباني في السلسلة الصحيحة: (فيه أبو حبيبة الطائي وهو من عداد المجهولين) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت