ومنهم عبد القادر الجرجاني، قال:"إذا اتسعت عقول الناس اتسعت لغتهم"، وكذلك قال ابن تيمية:"إذا ضاقت عقول الناس ضاقت عباراتهم".
واللغة العربية هي وعاء القرآن، والقرآن هو مادتها، واللغة العربية هي وعاء السنة، والسنة هي مادة هذه اللغة؛ فأي انحراف في فهم اللغة سيؤدي إلى الانحراف في فهم المادة نفسها، وما حصل الانحراف إلا بسبب العُجمة، فقد ناظر أبو عمرو بن العلاء -وهو من أئمة اللغة ومن أئمة السنة- يومًا معتزليًا وهو عمرو بن عُبيد، -وسيأتي تفصيل هذه الأسماء عند ذكرنا لمذهب الاعتزال-، فلما ناظره قال له:"من العُجمة أتيت"، يعني: فسادك يكمن في عدم إتقانك العربية، فأنت لو فهمت اللغة العربية ما أجريت القرآن على معنًى باطل.
وقد يقول قائل: لكننا نرى أن الصحابة كانوا يعجزون عن فهم بعض كلام الشعر، كما ورد أن الحُطَيئة هجا الزبرقان، والزبرقان كان واليًا للخطاب في بعض الأمصار، والحطيئة كان هجَّاءً حتى أنه يوما هجًا وجهه وهجى نفسه! فهجا الزبرقان وقال له:
دعِ المكارمَ لا تَرحلْ لبُغيَتِها ... واقعدْ فإنّكَ أنتَ الطّاعمُ الكاسِي
فجاء الزبرقان -وكان شاعرًا- وشكا إلى عمر ما شتمه وما هجاه به الحطيئة، والحطيئة شاعر عربي، كان ممن ارتد ومنع الزكاة عن الصديق ثم بعد انتهاء حرب الردة عاد إلى الإسلام، ولكنه شاعر فبقي على شعره في هجْو الناس، فسجنه عمر -رضي الله عنه- لهجائه الناس ولكنه استعطف عمر وأقسم الأيمان المغلظة ألا يرجع، وقال له عمر:"إن هجوت الناس قطعت لسانك"، فاستعطف عمر بأبيات قالها في السجن، يستعطفه فيها بأن يُخرجه من السجن، يقول فيها:
أَلقيتَ كاسِبَهُم في قَعرِ مُظلِمةٍ ... فاغْفِر عليكَ سَلامُ اللهِ يا عمرُ
فالمهم أن عمر شكا إليه الزبرقان ذلك فقال له:"إن الحطيئة قد هجاني"، فقال له:"ماذا قال؟"قال: دع المكارم لا ترحل لبغيتها .... واقعد فأنك أنت الطاعم الكاسي، فقال له عمر -رضي الله عنه-:"هذا مدح"، يعني يقول لك أنت الطاعم الكاسي فقال:"بل هذا هجاء"، فجعل الفصل في ذلك لحسان بن ثابت؛ لأن الشعراء لهم أساليبهم،