فجيء بحسان، وهو شاعر النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي فداه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأبيه وأمه وقال له في غزوة أحد: (اهجُ قريشًا، فإنه أشدُّ عليهم من رشقِ النَّبلِ) [1] ؛ أي السهام في صدورهم، ومن أعظم شعره ومن أعدله ما قاله عندما سب أبو جهل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له:
أَتهَجوهُ ولَسْتَ لهُ بِكُفْءٍ ... فشرّكُما لخيرِكُما الفِداءُ
فانظر لهذا العدل فلم يقل له: جعلك الله فداء لرسول الله أي أن تموت من أجله، بل كنّى وعدل فقال: فشركما فداء لخيركما، وشرهما هو أبو جهل، وخيرهما النبي - صلى الله عليه وسلم -، فعُدّ هذا من أعدل الشعر ومن أجمله.
فجيء بحسان إلى عمر، قال له:"هل هذا هجاء؟"، فقال:"يا أمير المؤمنين، هو لم يهجه ولكنه سَلَح عليه"؛ سلح عليه أي أخرج كل وسخه عليه.
قال بعضهم: كيف تزعمون أن العرب يفهمون الشعر وها هو عمر يعجز عن فهم كلمة الحطيئة؟ والجواب على هذا ما ذكره ابن سلام الجُمحي في كتابه (طبقات فحول الشعراء) ، فقال:"عمر فهم الشعر ولكنه طلب حسان ليكون شاهدًا بالقضاء؛ لأن القاضي لا يجوز له أن يحكم بعلمه بل لا بد من شاهد، فأُتي بصاحب فن ليبين هل هذا من الهجاء أم لا".
إذن فالعرب والصحابة كانوا يفهمون العربية، نعم؛ غابت عن الصحابة بعض المعاني، مثل ما حصل مع عدي بن حاتم الطائي عندما أنزل الله -عز وجل-: {وَكُلُوا واشْرَبُوا حَتَّى َيَتَبَيَّنَ لكم الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة/187] ، فأخطأ عدي في فهمها على الرغم أن الآية بيّنة، وقال بعضهم: لم تكن كلمة"من الفجر"موجودة في الآية ثم نزلت بعد ذلك، لكن هذا قول ضعيف.
ففهم عدي بن حاتم الآية على المعنى التالي: أحضر عِقالين -والعِقال الحبل، سُمي عقالًا لأنه يُعقل به البعير والدابة-، فأحضر عقالًا أبيضًا وعقالًا أسودًا، فجعل ينظر إلى العقالين ويأكل حتى يعرف الأبيض من الأسود. فلما أخبر
(1) صححهُ الألباني في صحيح الجامع: (2523) .