فهرس الكتاب

الصفحة 212 من 274

صعد يومًا المنبر وهو مُتقنِّع في مسجد الكوفة، وقال:"من كان يعرفني فهو يعرفني ومن لا يعرفني فأنا أبو الحسن الأشعري، خلعتُ دين ومذهب الاعتزال كما أخلع ثوبي هذا وخلع ثوبه، وأني أقول بما يقول به إمام أهل السنة الإمام أحمد بن حنبل".

لكن لماذا تراجع؟ هناك أسباب، ذكرتُ لكم المناظرة التي حدثت بينه وبين الجبائي في وجوب الأصلح على الله:

قال له:"ثلاثة إخوة، أحدهم مات صغيرًا، واثنان كبُرا، أحدهما صار كافرًا، والثاني صار مسلمًا، أين يذهب هؤلاء؟ قال: الصغير لا جنة ولا نار، والكافر النار، والمسلم إلى الجنة. قال: فالصغير يقول له: يا رب لماذا لم تُحيني فإذا كبرت صرت من أهل الجنة؟ -لأنهم يوجبون الأصلح على الله-، فيقول: لقد علمت أنك إن كبرت ستكفر وتدخل النار، فاخترت لك الأصلح وأمتك صغيرا، قال: حينئذ يحتج الكافر لماذا لم تُمتني صغيرًا ولم تُدخلني جهنم؟"، فسكت أبو علي. قالوا هذا السبب.

وقالوا: السبب الثاني أنه رأى رؤيا في المنام أن رسول الله جاءه ودعاه إلى ترك الاعتزال ونصرة السنة.

وقالوا شيئًا ثالثًا: أنه تناظر مع رجل سني فسكت، أُلزم بقضية وجوب الأصلح على الله.

أسباب متعددة، ولكنه ولا شك أنه من الأسباب تنقُّل هذا الرجل ومناظرته وكثرة أبحاثه مع الناس، وهكذا شأن المبتدع المناظر أنه لا يثبُت على قول. المهم أنه رجع وما تهمنا هذه القضايا، تجدون هذه الأخبار في كتاب (تبيين كذب المفتري على أبي الحسن الأشعري) .

دخل أبو الحسن الأشعري بغداد، وبغداد من زمان تعشق -ليس بالمعنى الكامل لأن العشق لا بد له من الجنس- ومتيَّمة بالإمام أحمد، والحنابلة هم الذين يغلبون بغداد، لما دخل بغداد وجد رجلًا اسمه البربهاري ليس له كتب، له كتاب اسمه (صريح السنة) صغير مطبوع مؤخرًا، لكنه ليس فيه شيء كثير في الحقيقة، وفي صاحبه شدة، وكما قال أهل العلم:"زعارة"؛ شديد في ألفاظه يبالغ فيها، ولكنه كان حنبليًا وكان جَلِدًا في السنة، أهل التراجم يذكرونه بجلادة وشدة في السنة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت