فهذا هو أمر الأشعرية، وهو القول بالجبر وهو الذي انتشر، والقول بالأسماء والصفات على طريقة المؤوِّلة أو المفوِّضة، والقول بالقرآن كما قلنا لكم، وهؤلاء منتشرون.
وانتشرت الأشعرية في وقت كانت فيه الحرب مع الشيعة، يعني انتشرت لما صارت الحرب ضد الإسماعيلية الباطنية، ولذلك انتشر أمرهم لأنهم على مذهب أهل السنة والجماعة في أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهم من أبصر الناس -كأهل لأثر- في محبة أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -.
تبنى الشافعيةُ الأشعريةَ، أئمة الشافعية قالوا بالأشعرية، فمثلًا كما قلت لكم أبو بكر الباقلاني إمام الشافعية في عصره أشعري، أبو محمد الجويني الوالد أشعري، أبو المعالي ابنه أشعري، والغزالي تلميذه أشعري. فانتشرت الأشعرية بين طوائف الشافعية، وبلاد الإسلام لم يكن فيها حنابلة إلا قليلًا في بغداد، والحنابلة قلة لا وجود لهم، وقليل موجودون فقط في بلاد الشام، بعض العائلات المقادسة من الحنابلة رحلوا واستقروا في سفح قاسيون، بسبب الخوف من الصليبيين، الذين منهم ابن قدامة وغيره، فهم قلة والأغلب شافعية، فلما صار الشافعية أشاعرة انتشرت الأشعرية.
ثم صار المالكية أشعرية عن طريق رجلين جاءا إلى المشرق من المغرب: أولُّهما أبو الوليد الباجي -عليه رحمة الله- وهو الإمام الفحل الأصولي المحدِّث، له كتب من أروع الكتب: له كتاب (المنتقى) في شرح (موطأ مالك) ، وهو مختصر لكتابٍ فُقد، ومطبوع هذا الكتاب قديمًا في خمس مجلدات كبار، وله كتاب في الجرح والتعديل طُبع متأخرًا، وله كتب في الأصول ومنها (إحكام الأصول) حقَّقه الدكتور عبد المجيد التركي التونسي، وله كتاب اسمه (اللِّجاج في الحِجَاج) ، وكتبه رائعة نافعة.
وهو إمام مالكي رحل من المغرب وجاء إلى المشرق، وتتلمذ على يد الغزالي وعلى يد الجويني، في الأصول، ثم رحل فوجد في المغرب في العَدْوَة الأولى والثانية -يعني في المغرب والأندلس- صيت ابن حزم يملأ الآفاق.
الرجل الثاني: هو أبو بكر بن العربي، وهذا كذلك جاء إلى المشرق وتتلمذ على يد الغزالي، وهو الذي قال عن الغزالي:"شيخنا دخل في أجواف الفلاسفة ولم يستطع الخروج".