أحدهم كان يتحدث عن الكلاب -وهو إليوت-، هذا عندهم إذا ذُكر اسمه هو أشد مما كان يحدث للإمام الشافعي عند ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ الإمام للشافعي كان إذا قيل له:"قال: رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"، يقول:"سمعًا وطاعة"، ويأخذ الكلام بأحسنه وأهنَئِه وأمْرَئِه، وهم كذلك وأكثر مع (إليوت) هذا؛ فإذا ذكروه عظموه جدًا، فتجد أحدهم يقول:"انظر إلى تلك العبقرية، انظر إلى هذا الإنتاج الفكري السامي!".
في إحدى المرات كتب أحد أهل الحداثة في الجزيرة العربية قصيدة في صفحة ونصف، وأرادوا في نصف الصفحة الثانية أن يزيدوا شيئًا من عندهم، فمن أجل إن يفرّقوا بين القصيدة التي يسمونها"القصيدة النثرية"!! كتبوا كلمة"انتهى"لكي يفرق بين الكلامين.
القصيدة النثرية كيف تكون؟ مثلًا أقول:"طلع الحمار .. طار الغزال .. نام الكلب"، طيب ما علاقة الكلب بطيران الغزال؟ يقول لك:"هنا السر هذا الذي لا تفهمه أنت"، تقول سلمى الجيوسي وهي امرأة فلسطينية تزعم العبقرية وتُعتبر من أكبر النقاد لشعر الحداثة، تقول:"أنا بقيت خمس سنوات حتى أعرف ماذا يريد أن يقول هؤلاء الشعراء"، وهذه سمعتها أنا بأذني، ومع ذلك تُعتبر الآن ناقدة لشعر الحداثة، فهم ناس مجانين ومع ذلك يعدونه أدبًا!
فما زال الغزو فينا، أمتنا لا يمكن أن يكون الرجل فيها نبيلًا إلا إذا كان عاقلًا ضابطًا حافظًا، وهم لا يكون الرجل عظيمًا فيهم إلا إذا كان مجنونًا شاذًا.
نرجع إلى قصة"انتهى"، فقام الطَابِع -وليس صاحب القصيدة- بكتابة كلمة"انتهى"من أجل أن يكتب بعد القصيدة كلامًا آخر، فلما جاء الغذامي وهو أحد نقاد شعر الحداثة -شعر المجانين- في الجزيرة، صار يحلّل القصيدة ووقف طويلًا عند كلمة انتهى، يقول:"أي عبقرية فيها! كيف وضعها موضعها!".
وهذا على قاعدة المرأة التي ذهبت بابنها لتخطب له فتاة، وهي قصة مذكورة في قصص طرائف العرب، فالمرأة ذهبت بابنها إلى بيت من بيوت العرب تخطب له ابنتهم، فقالت الأم:"انظري إلى جمال عينيه، انظري إلى نضارة وجنتيه، انظري إلى حسن قدِّه". فضرط، فقالت:"انظري إلى جمال ضرطته"، فقالت له:"لا عليك فوالله لو سلح على نفسه لزوجناه"، يعني لو أنه عملها على نفسه لنزوجه، فهم هكذا مجانين!