بعضهم فهو إنما ينازع من أجل محبة المنصب، أما لو تُركوا لاختيارهم فلن يختاروا إلا أبا بكر، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والحديث في البخاري من حديث ابن عباس -رضي الله عنه-، قال: (ائتوني بكتاب لأكتب لكم فيه كتابًا لا تضلوا بعدي أبدًا) ، أي في موضوع الإمامة، وعمر-رضي الله عنه- كان ذكيًا فعلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سيكتبه من باب الغضب، يعني النبي - صلى الله عليه وسلم - قرر أنه يأبى الله ورسوله والمؤمنون إلا أبا بكر، فلمّا كثر اللغط قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (ائتوني بكتاب) ؛ يعني إن أبيتم إلا الاختلاف ائتوني بكتاب، فقال عمر لما رأى غضبه وكأنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أُجبر على كتابته قال:"لا يا رسول الله، يكفينا كتاب ربنا"، فقال: (اخرجوا عني) [1] ، فقال ابن عباس:"الرزية كل الرزية على ما حال بين رسول الله وبين الكتابة".
الشيعة الروافض يعتبرونها مسبة لعمر، وهي بلفظ (ما) وليست بلفظ (من) ، لأنهم بقر كما قال الشعبي، والشعبي كان خَشَبيًا يعني على إحدى مذاهب الشيعة غير الغلاة، ولكنهم قالوا نحن سيوفنا من خشب لا نقاتل مع أحد، فسمّوا بالخشبية، فكان الشعبي على مذهبهم، فرأى أن الروافض بقر فتركهم وقال:"هؤلاء القوم لو كانوا دوابًا لكانوا حميرًا، ولو كانوا طيرًا لكانوا رَخمًا، والله لو طلبت منهم أن يملؤوا لي بيتي ذهبًا على أن أكذب لهم حديثًا، لملؤوا بيتي ذهبًا لأكذب لهم حديثًا". وأستغفر الله البقر أفضل ولا شك {بَلْ هُمْ أَضَلُّ} .
القصد أن الحديث قال:"الرزية كل الرزية على ما حال بين رسول الله والكتاب"، قال (ما) ولم يقل (من) ، وهناك فرق بين (ما) و (من) ؛ (ما) تطلق على الجماد و (من) على العاقل، فالرزية على ما حصل من خصومة، وابن عباس -رضي الله عنه- لا يجرؤ أن يقول هذه الكلمة على حبيبه، وابن عباس لم يشهد هذا أصلًا وكان صغيرًا، ولكن لمّا أُخبر الخبر قال:"الرزية كل الرزية على ما حال ..".
وابن عباس من أكثر أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - محبة لعمر، ولهذا كان حافظًا لفتاوى عمر، وكان ملازمًا له، وكان يحبه، فهل هذه تقال لعمر من ابن عباس؟
(1) صحيح البخاري: (114) .