واختلفوا بعد ذلك في أين يُدفن، واختلفوا في الإمامة، لكن بعدها قيل"الأئمة من قريش"وانتهت القصة، تعرفون قصة سقيفة بني ساعدة، وحديثها طويل، القصد أن الصحابة -رضي الله عنهم- تجاوزوا فورًا الخلاف بعلم أبي بكر.
الحقيقة هنا يكون العلم؛ يعني إذا الناس كلهم يعلمون الصلاة فليس من إظهار العلم أن تُعلِّم الناس الصلاة، لأنهم يعلمونها، ولكن عند العلم المكنون الذي جهله كل الصحابة فوقفوا لا يدرون ماذا يفعلون كان يخرج لهم أبو بكر ويعلّمهم، مما يدلّ على اختصاص هذا الصديق الأكبر بعلوم لم تجتمع إلا فيه، وهذا يدل على مقدار علمه. فمثلًا لما مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ من الذي قضى على الفتنة فخرج وقرأ لهم كلام الله؟
عندما مات النبي - صلى الله عليه وسلم - كان أبو بكر في العوالي، النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج نشيطًا في صحوة الموت، فاطمأن أبو بكر أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - نشيط وأنه قام من مرضه فاستأذنه أن يقضي يومه عند زوجته أسماء بنت عميس في العوالي فأذن له، فمات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر في العوالي، يعني خارج المدينة في ضاحية من ضواحيها.
فلما جاء الخبر بوفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ الناس كلهم احتاروا ماذا يفعلون، فعمر ينكر موته، وغيره سقط وتعب، فدخل أبو بكر بكل رباطة جأش وثبات إيمان وحضور عقل وقوة قلب على النبي - صلى الله عليه وسلم - ونظر إليه وهو مسجَّى فقال:"طِبت حيًا وميتًا يا رسول الله"، ثم قبَّله ثم خرج وصعد المنبر وأجلس الناس وقال لهم:"من كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ومن كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات"، ثم قرأ الآية: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} [آل عمران/144] فسَكَن الناس وأعادهم إلى رشدهم.
ثم احتار الناس أين يدفنون الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فقال أبو بكر: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (ما مات نبيٌّ إلا دُفِنَ حيثُ يُقبَضُ) [1] .
(1) صححهُ الألباني في صحيح الجامع: (5670) .