مبايعًا فارجع لبيتك"، لماذا؟ قال:"إني لا أريد أن أكون أول من يخلف أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - بالسيف"، تصور! وهم يهددونه ويريدون قتله! فهو يرضى أن يموت من أجل أن لا يراق دم مسلم واحد بسببه."
قارن هذا الموقف بموقف علي -رضي الله عنه- في حروبه مع أهل الجمل، في حروبه مع صفين، مع أهل الشام، على ماذا كان يقاتل علي؟ على أن يدخلوا في طاعته، على أن يبايعوه، ولم يأتِ حديث واحد قط في مدح قتال علي -رضي الله عنه- لمخالفيه، إنما أتت الأحاديث بفضل قتاله للخوارج، ولهذا كان الصحابة الذين اعتزلوا القتال -وهم كبار الصحابة يومذاك- موقفهم أفضل ممن شارك بالقتال [1] .
هل مطلب أهل الشام، مطلب عائشة، مطلب طلحة والزبير كان فيه نوع حق أم لا؟
اسمعوا الخبر: كان فيه حق وإن اخطؤوا في نسبة الصواب، الصواب مع علي، لكن هم معهم نوع حق، أما الحق الأكبر مع علي، ولذلك قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن الخوارج: (تُقاتلهم أولى الطائفتين بالحق) [2] ، فالطائفتان على حق، لكن من أولى بالحق وأكثر؟
إذًا قارنوا بين موقف رجل يقبل الموت وهو خليفة، يرجونه أن يحضروا جند الشام ليأتوا وينصرونه، وهو يقول:"اتركوا الناس في الجهاد، اتركوا الناس ومواقعهم". وليس معنى هذا أن موقف علي باطل، لكن انظروا من الأفضل؟ كلاهما خير، لكن من أكثر ورعًا ودِينًا وتقوى؟ برغم من كوننا لا نقلل من تقوى علي، لكن عثمان أفضل وأورع.
ولذلك صدق شيخ الإسلام ابن تيمية حين قال:"ما من منقبة لعلي إلا وهي في عثمان، وعند عثمان من المناقب ما لا توجد في علي".
(1) سعد بن أبي وقاص -وهو خير البشر يومذاك بعد علي- اعتزل، خرج للبادية وأحضر بعض الجمال وجلس فيهم، جاء إليه ابنه عمر بن سعد بن أبي وقاص، قال:"يا أبتي، الناس يتنازعون على الملك وأنت تجلس مع الإبل؟"، ضربه على صدره وقال:"ارجع، إني بايعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ألا أضرب بسيفي إلا كافرًا"-كانت عنده أحاديث ذم القيام في الفتن-، محمد بن مسلمة قال:"أعطاني رسول الله السيف وأمرني ألا أضرب به إلا مشركًا"، سعد بن أبي وقاص قال:"أعطوني سيفًا يُفرِّق بين المسلم والكافر، وأقاتل معكم". فمحمد بن مسلمة، سعد بن أبي وقاص، عبد الله بن عمر، أسامة بن زيد، كبار الصحابة لم يشتركوا، جلسوا قالوا: هذه فتنة بين الناس ونحن لا نقاتل فيها.
(2) صحيح مسلم: (1064) .