ما هو بعض الحق الذي في خصومه؟ قالوا له: أنت خليفة الآن ونريد القصاص لدم عثمان، خليفة يموت ولا نقتص له من قتلته؟! لكنّ عليًا -رضي الله عنه- رجل حكيم ذكي، يعرف أن المسألة فيها الأبعاد التالية:
· أولًا: غلبة الثوار وكثرتهم، حتى قال يومًا لطلحة:"الآن تطلب مني أن أقتصّ منهم، وسكتُّم عن مواليكم وعبيدكم وصغاركم حتى دخلوا فيهم وصاروا هم الأكثر؟"، فقال -معنى كلامه-:"اصبروا علينا حتى نُرجع بعض الجنود وبعض الجيوش فنقتص منهم"، فطلب منهم تأجيل الأمر، لكنهم اهتزوا كثيرًا لمقتله، وشعروا بالندم، وقالوا لا بد من القصاص الآن، وهو كان يرى أنهم الكثرة في المدينة، ومع هذا فالبيعة لم تقع منهم، إنما البيعة ما رضيها علي حتى وقعت من كبار الصحابة -رضي الله تعالى عنهم-.
· المسألة الثانية: أن هذه فتنة: من قتل؟ من شارك؟ من رضي؟ من الذي ناصر؟ من الذي تكلم؟ كل هذا يحتاج إلى تحقيق طويل، وهذا أمر كان يطلب علي -رضي الله عنه- من الناس أن يؤجّلوا البحث فيه حتى يقوى الأمر، ويتضح البيان، وترجع بعض الجيوش، وتقوى في سيطرتها على المدينة.
ولكن الفتنة بدأت حتى وقعت الحروب:
الحرب الأولى التي وقعت هي حرب الجمل، وهذه لا يَدَ للصحابة فيها، نعم عائشة -رضي الله عنها- قُتل عثمان وهي في العمرة، فخرج إليها طلحة والزبير، وشجعوها أن تخرج إلى الشام، ويجتمع عليها الناس كونها زوجة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهذا خطأ منهم بلا شك، أن يجتمع الناس عليها ليضغطوا على علي لتسليم قتلة عثمان إلى أولياء الدم، فخرجوا إليها وشجعوها على الخروج، فخرجت وخرج معها ناس.
علي -رضي الله عنه- سمع بالخبر، خرج مع جماعة معه وقابلها في الطريق، وأراد الصلح ولم يُرد القتال، فلا جماعة عائشة كانوا يريدون القتال ولا جماعة علي، لكن المنافقين في الليل بدؤوا يضربون السهام على جيش علي ومن معهم من المنافقين يضربون على هودج عائشة حتى هبَّ القتال، فوقعت موقعة الجمل، وكان الذين مع عائشة -رضي الله عنها- قلة، ثم أُخذت وأُرجعت إلى المدينة، وعلي -رضي الله عنه- خرج إليهم وذكّرهم بما معه من الحق، وذكر الزبير بحديث كان قد نسيه قال:"يا زبير هل تذكر ما حدث يوم كذا وكذا، حين جلست مع رسول"