فهرس الكتاب

الصفحة 381 من 1041

الغاشمين على السواء. وكانت تلك المواقف قد أثمرتها شجاعته النادرة، وجرأته في الحق التي امتحن بسببها عدة مرات في الشام ومصر، وفَوقَّت إليه سهام النقد من أعدائه وخصومه، كما قال الشاعر [1] :

حَسَدوا الفتى إذ لم ينالوا سَعْيَه ... فالقومُ أعداءٌ له وخصومُ

كضرائرِ الحسناءِ قُلْنَ لوجهِهَا ... حسدًا وبَغْيًا إنه لدَميمُ

فمن مواقفه مع بعض حكام عصره:

أنه بلغه في سنة 693 هـ أن نصرانيًا سب الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وآوى إلى أحد العلويين، فحماه من غضب العامة، فثارت حمية الشيخ وغيرته على سيد الخلق، فاصطحب معه شيخ دار الحديث، وذهب إلى نائب السلطنة بدمشق [2] ، فكلماه في ذلك، فأرسل إلى النصراني، فحضر ومعه بدوي، فأغلظ القول للعامة المتجمعين، فحصبوهما بالحجارة، فأوذي الشيخ وصاحبه من قبل النائب بدعوى التحريض على ذلك.

وانتهت القصة بإسلام ذلك النصراني، واعتذر نائب السلطنة من الشيخين، وبهذه المناسبة ألف الشيخ كتابه المشهور"الصارم المسلول على ساب الرسول" [3] .

فهذه القصة تدل على أن الشيخ لم يكن قابعًا في زوايا التدريس والتعليم، غافلًا عن شؤون المجتمع، بل كان حارسًا للرأي العام الإسلامي، آمرًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر، ملتزمًا في ذلك ضوابط الشرع وحدوده من تبليغ أولي الأمر ما يحدث في سلطتهم مما هو من مسؤولياتهم، ولا يخشى في ذلك لومة لائم.

ولما غزا التتار الشام سنة 699 وهزموا عساكر الناصر بن قلاوون، وشتتوهم شذَر مذَر، بعد أن أبلى الجميع بلاء حسنًا، فولى جند مصر والشام الأدبار، واجتازوا دمشق إلى مصر لائذين بالفرار، ومعهم أعيان العلماء والقضاة والوجهاء، حتى صار البلد شاغرًا من الحكام والكبار [4] .

(1) هو أبو الأسود الدّؤلي، والبيتان من قصيدة له متوسطة، وهي في ديوانه: 129 - 132 والخزانة 3/ 617. والبيان 3/ 259.

(2) وهو الأمير عز الدين أيبك الحموي.

(3) البداية والنهاية 13/ 335.

(4) البداية والنهاية 14/ 6 - 7.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت