وهكذا كان النبل والعقل والعفة سمة هذا الغلام من أول نشأته، حتى تَفَرَّس فيه أهل زمانه مستقبلًا متميزًا على أبناء جيله، فقال الحافظ الهيثم بن جميل الأنطاكي: إن عاش هذا الفتى فسيكون حجة على أهل زمانه [1] .
وكان جادا في الطلب نشيطًا حريصًا، وريما كان يريد البكور في الحديث فتأخذ أمه بثيابه، وتقول: حتى يؤذن الناس، أو حتى يصبحوا [2] .
وكانت والدته رحمها الله تحوطه بالعناية وتغذوه بالرعاية في ظل الباقي من أسرته، وكان وحبدها.
وكان عيشهما من غلة ميراث تركه له والده. قال ابن الجوزي: كان أحمد - رضي الله عنه - قد خلف له أبوه طِرزًا ودارًا يسكنها، وكان يكري تلك الطِّرز ويتعفف بكرائها عن الناس [3] .
(1) تقدمة الجرح والتعديل، لإبن أبي حاتم، ص 295.
(2) المنهج الأحمد، للعليمي 1/ 72. تحقيق محمود الأرناؤوط.
(3) مناقب الإمام أحمد، ص 306 .. والطرز، قال في"اللسان": هو بيت إلى الطول، فارسي، وقيل: هو البيت الصيفي. قال الأزهري: أراه معربًا، وأصله تِرْز، وقيل: هو الموضع الذي تنسج فيه الثياب.