ومن وراء الستار السرمدي الذي لا يعلم ما وراءه إلا اللّه .. إنها كلمة تصور حركة خفية المسرى ، لطيفة الدبيب. حركة تخرج على مسرح الوجود أمة. أمة ذات دور خاص. لها مقام خاص ، ولها حساب خاص: «كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ» ..
وهذا ما ينبغي أن تدركه الأمة المسلمة لتعرف حقيقتها وقيمتها ، وتعرف أنها أخرجت لتكون طليعة ، ولتكون لها القيادة ، بما أنها هي خير أمة. واللّه يريد أن تكون القيادة للخير لا للشر في هذه الأرض. ومن ثم لا ينبغي لها أن تتلقى من غيرها من أمم الجاهلية. إنما ينبغي دائما أن تعطي هذه الأمم مما لديها. وأن يكون لديها دائما ما تعطيه. ما تعطيه من الاعتقاد الصحيح ، والتصور الصحيح ، والنظام الصحيح ، والخلق الصحيح ، والمعرفة الصحيحة ، والعلم الصحيح .. هذا واجبها الذي يحتمه عليها مكانها ، وتحتمه عليها غاية وجودها.
واجبها أن تكون في الطليعة دائما ، وفي مركز القيادة دائما. ولهذا المركز تبعاته ، فهو لا يؤخذ ادعاء ، ولا يسلم لها به إلا أن تكون هي أهلا له .. وهي بتصورها الاعتقادي ، وبنظامها الاجتماعي أهل له. فيبقى عليها أن تكون بتقدمها العلمي ، وبعمارتها للأرض - قياما بحق الخلافة - أهلا له كذلك .. ومن هذا يتبين أن المنهج الذي تقوم عليه هذه الأمة يطالبها بالشيء الكثير ويدفعها إلى السبق في كل مجال .. لو أنها تتبعه وتلتزم به ، وتدرك مقتضياته وتكاليفه.
وفي أول مقتضيات هذا المكان ، أن تقوم على صيانة الحياة من الشر والفساد .. وأن تكون لها القوة التي تمكنها من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهي خير أمة أخرجت للناس. لا عن مجاملة أو محاباة ، ولا عن مصادفة أو جزاف - تعالى اللّه عن ذلك كله علوا كبيرا - وليس توزيع الاختصاصات والكرامات كما كان أهل الكتاب يقولون: «نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ» .. كلا! إنما هو العمل الإيجابي لحفظ الحياة البشرية من المنكر ، وإقامتها على المعروف ، مع الإيمان الذي يحدد المعروف والمنكر: «تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ» ..