فهو النهوض بتكاليف الأمة الخيرة ، بكل ما وراء هذه التكاليف من متاعب ، وبكل ما في طريقها من أشواك .. إنه التعرض للشر والتحريض على الخير وصيانة المجتمع من عوامل الفساد .. وكل هذا متعب شاق ، ولكنه كذلك ضروري لإقامة المجتمع الصالح وصيانته ولتحقيق الصورة التي يحب اللّه أن تكون عليها الحياة ..
ولا بد من الإيمان باللّه ليوضع الميزان الصحيح للقيم ، والتعريف الصحيح للمعروف والمنكر. فإن اصطلاح الجماعة وحده لا يكفي. فقد يعم الفساد حتى تضطرب الموازين وتختل. ولا بد من الرجوع إلى تصور ثابت للخير وللشر ، وللفضيلة والرذيلة ، وللمعروف والمنكر. يستند إلى قاعدة أخرى غير اصطلاح الناس في جيل من الأجيال.
وهذا ما يحققه الإيمان ، بإقامة تصور صحيح للوجود وعلاقته بخالقه. وللإنسان وغاية وجوده ومركزه الحقيقي في هذا الكون .. ومن هذا التصور العام تنبثق القواعد الأخلاقية. ومن الباعث على إرضاء اللّه وتوقي غضبه يندفع الناس لتحقيق هذه القواعد. ومن سلطان اللّه في الضمائر ، وسلطان شريعته في المجتمع تقوم الحراسة على هذه القواعد كذلك.
ثم لا بد من الإيمان أيضا ليملك الدعاة إلى الخير ، الآمرون بالمعروف ، الناهون عن المنكر ، أن يمضوا في هذا الطريق الشاق ، ويحتملوا تكاليفه. وهم يواجهون طاغوت الشر في عنفوانه وجبروته ، ويواجهون طاغوت الشهوة في عرامتها وشدتها ، ويواجهون هبوط الأرواح ، وكلل العزائم ، وثقلة المطامع ..
وزادهم هو الإيمان ، وعدتهم هي الإيمان. وسندهم هو اللّه .. وكل زاد سوى زاد الإيمان ينفد. وكل عدة سوى عدة الإيمان تفلّ ، وكل سند غير سند اللّه ينهار! وقد سبق في السياق الأمر التكليفي للجماعة المسلمة أن ينتدب من بينها من يقومون بالدعوة إلى الخير ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أما هنا فقد وصفها اللّه سبحانه بأن هذه صفتها. ليدلها على أنها لا توجد وجودا حقيقيا إلا أن تتوافر فيها هذه السمة الأساسية ، التي تعرف بها في المجتمع الإنساني. فإما أن تقوم بالدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن