فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 237

قد يطمع صاحب الدعوة في أن تستجيب له لو داهنها في بعض الحقيقة! «إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ» ..

وإذن فلتكن كلمة الحق حاسمة فاصلة كاملة شاملة .. والهدى والضلال إنما مناطهما استعداد القلوب وتفتحها ، لا المداهنة ولا الملاطفة على حساب كلمة الحق أو في كلمة الحق! إن القوة والحسم في إلقاء كلمة الحق في العقيدة ، لا يعني الخشونة والفظاظة فقد أمر اللّه رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يدعوا إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة - وليس هنالك تعارض ولا اختلاف بين التوجيهات القرآنية المتعددة - والحكمة والموعظة الحسنة لا تجافيان الحسم والفصل في بيان كلمة الحق. فالوسيلة والطريقة إلى التبليغ شيء غير مادة التبليغ وموضوعه. والمطلوب هو عدم المداهنة في بيان كلمة الحق كاملة في العقيدة ، وعدم اللقاء في منتصف الطرق في الحقيقة ذاتها. فالحقيقة الاعتقادية ليس فيها أنصاف حلول ..

ومنذ الأيام الأولى للدعوة كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يدعو بالحكمة والموعظة الحسنة في طريقة التبليغ ، وكان يفاصل مفاصلة كاملة في العقيدة ، فكان مأمورا أن يقول: «يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ: لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ ..» فيصفهم بصفتهم ويفاصلهم في الأمر ، ولا يقبل أنصاف الحلول التي يعرضونها عليه ، ولا يدهن فيدهنون ، كما يودون! ولا يقول لهم: إنه لا يطلب إليهم إلا تعديلات خفيفة فيما هم عليه ، بل يقول لهم: إنهم على الباطل المحض ، وإنه على الحق الكامل .. فيصدع بكلمة الحق عالية كاملة فاصلة ، في أسلوب لا خشونة فيه ولا فظاظة ..

وهذا النداء ، وهذا التكليف ، في هذه السورة: «يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ - وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ - وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ .. إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ» ..

يبدو من السياق - قبل هذا النداء وبعده - أن المقصود به مباشرة هو مواجهة أهل الكتاب بحقيقة ما هم عليه ، وبحقيقة صفتهم التي يستحقونها بما هم عليه .. ومواجهتهم بأنهم ليسوا على شيء .. ليسوا على شيء من الدين ولا العقيدة ولا الإيمان .. ذلك أنهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت