235-7890- أَخْبَرَنَا كَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَرْبٍ ، عَنِ الزُّبَيْدِيِّ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ:"نِسَاءُ قُرَيْشٍ خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الْإِبِلَ ، أَحْنَاهُ عَلَى طِفْلٍ وَأَرْعَاهُ عَلَى زَوْجٍ فِي ذَاتِ يَدِهِ"قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ:"وَلَمْ تَرْكَبْ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ بَعِيرًا قَطُّ" [1]
(1) - البخاري برقم (3434 ) ومسلم برقم (6620)
وفي فتح الباري لابن حجر - (ج 10 / ص 235) قَوْله: ( أَحْنَاهُ ) أَشْفَقه ، حَنَى يَحْنُو وَيُحْنِي مِنْ الثُّلَاثِيّ ، وَأَحْنَى يُحْنِي مِنْ الرُّبَاعِيّ: أَشْفَقَ عَلَيْهِ وَعَطَفَ ، وَالْحَانِيَة الَّتِي تَقُوم بِوَلَدِهَا بَعْد مَوْت الْأَب ، قَالَ: وَحَنَتْ الْمَرْأَة عَلَى وَلَدهَا إِذَا لَمْ تَتَزَوَّج بَعْد مَوْت الْأَب . قَالَ اِبْن التِّين: فَإِنْ تَزَوَّجَتْ فَلَيْسَتْ بِحَانِيَة . قَالَ الْحَسَن فِي الْحَانِيَة الَّتِي لَهَا وَلَد وَلَا تَتَزَوَّج . وَفِي بَعْض الْكُتُب: أَحْنَى بِتَشْدِيدِ النُّون وَالتَّنْوِين حَكَاهُ اِبْن التِّين وَقَالَ: لَعَلَّهُ مَأْخُوذ مِنْ الْحَنَان بِفَتْحِ وَتَخْفِيف وَهُوَ الرَّحْمَة ، وَحَنَتْ الْمَرْأَة إِلَى وَلَدهَا وَإِلَى زَوْجهَا سَوَاء كَانَ بِصَوْت أَمْ لَا ، وَمِنْ الَّذِي بِالصَّوْتِ حَنِين الْجِذْع وَأَصْله تَرْجِيع صَوْت النَّاقَة عَلَى أَثَر وَلَدهَا ، وَكَانَ الْقِيَاس أَحْنَاهُنَّ لَكِنْ جَرَى لِسَان الْعَرَب بِالْإِفْرَادِ ، وَقَوْله:"وَلَمْ تَرْكَب مَرْيَم بَعِيرًا قَطّ"إِشَارَة إِلَى أَنَّ مَرْيَم لَمْ تَدْخُل فِي هَذَا التَّفْضِيل بَلْ هُوَ خَاصّ بِمَنْ يَرْكَب الْإِبِل ، وَالْفَضْل الْوَارِد فِي خَدِيجَة وَفَاطِمَة وَعَائِشَة هُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى جَمِيع النِّسَاء إِلَّا مَنْ قِيلَ إِنَّهَا نَبِيَّة ، فَإِنْ ثَبَتَ فِي حَقّ اِمْرَأَة أَنَّهَا نَبِيَّة فَهِيَ خَارِجَة بِالشَّرْعِ لِأَنَّ دَرَجَة النُّبُوَّة لَا شَيْء بَعْدهَا ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُت فَيَحْتَاج مَنْ يُخْرِجهُنَّ إِلَى دَلِيل خَاصّ لِكُلٍّ مِنْهُنَّ ، فَأَشَارَ أَبُو هُرَيْرَة إِلَى أَنَّ مَرْيَم لَمْ تَدْخُل فِي هَذَا الْعُمُوم ، لِأَنَّهُ قَيَّدَ أَصْل الْفَضْل بِمَنْ يَرْكَب الْإِبِل وَمَرْيَم لَمْ تَرْكَب بَعِيرًا قَطّ . وَقَدْ اِعْتَرَضَ بَعْضهمْ فَقَالَ: كَأَنَّ أَبَا هُرَيْرَة ظَنَّ أَنَّ الْبَعِير لَا يَكُون إِلَّا مِنْ الْإِبِل ، وَلَيْسَ كَمَا ظَنَّ بَلْ يُطْلَق الْبَعِير عَلَى الْحِمَار . وَقَالَ اِبْن خَالَوَيْهِ: لَمْ تَكُنْ إِخْوَة يُوسُف رُكْبَانًا إِلَّا عَلَى أَحْمِرَة ، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدهمْ إِبِل ، وَإِنَّمَا كَانَتْ تَحْمِلهُمْ فِي أَسْفَارهمْ وَغَيْرهَا الْأَحْمِرَة ، وَكَذَا قَالَ مُجَاهِد هُنَا: الْبَعِير الْحِمَار ، وَهِيَ لُغَة حَكَاهَا الكواشي ، وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ: ( اِصْطَفَاك عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ ) عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ نَبِيَّة ، وَيُؤَيِّد ذِكْرهَا فِي سُورَة مَرْيَم بِمِثْلِ مَا ذُكِرَ بِهِ الْأَنْبِيَاء ، وَلَا يَمْنَع وَصْفهَا بِأَنَّهَا صِدِّيقَة فَإِنَّ يُوسُف وُصِفَ بِذَلِكَ مَعَ كَوْنه نَبِيًّا ، وَقَدْ نُقِلَ عَنْ الْأَشْعَرِيّ أَنَّ فِي النِّسَاء نَبِيَّات . وَجَزَمَ اِبْن حَزْم بِسِتّ: حَوَّاء وَسَارَة وَهَاجَر وَأُمّ مُوسَى وَآسِيَة وَمَرْيَم ، وَلَمْ يَذْكُر الْقُرْطُبِيّ سَارَة وَلَا هَاجَر ، وَنَقَلَهُ السُّهَيْلِيُّ فِي آخِر"الرَّوْض"عَنْ أَكْثَر الْفُقَهَاء ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: الصَّحِيح أَنَّ مَرْيَم نَبِيَّة ، وَقَالَ عِيَاض: الْجُمْهُور عَلَى خِلَافه . وَذَكَر النَّوَوِيّ فِي"الْأَذْكَار"عَنْ إِمَام الْحَرَمَيْنِ أَنَّهُ نَقَلَ الْإِجْمَاع عَلَى أَنَّ مَرْيَم لَيْسَتْ نَبِيَّة ، وَنَسَبَهُ فِي"شَرْح الْمُهَذَّب"لِجَمَاعَة ، وَجَاءَ عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ لَيْسَ فِي النِّسَاء نَبِيَّة وَلَا فِي الْجِنّ ، وَقَالَ السُّبْكِيّ: اُخْتُلِفَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة وَلَمْ يَصِحّ عِنْدِي فِي ذَلِكَ شَيْء .
قَوْله: ( يَقُول أَبُو هُرَيْرَة عَلَى أَثَر ذَلِكَ: وَلَمْ تَرْكَب مَرْيَم بِنْت عِمْرَان بَعِيرًا قَطّ ) فِي رِوَايَة لِأَحْمَد وَأَبِي يَعْلَى"وَقَدْ عَلِمَ رَسُول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - أَنَّ مَرْيَم لَمْ تَرْكَب بَعِيرًا قَطّ"أَرَادَ أَبُو هُرَيْرَة بِذَلِكَ أَنَّ مَرْيَم لَمْ تَدْخُل فِي النِّسَاء الْمَذْكُورَات بِالْخَيْرِيَّةِ لِأَنَّهُ قَيَّدَهُنَّ بِرُكُوبِ الْإِبِل وَمَرْيَم لَمْ تَكُنْ مِمَّنْ يَرْكَب الْإِبِل ، وَكَأَنَّهُ كَانَ يَرَى أَنَّهَا أَفْضَل النِّسَاء مُطْلَقًا .