فهرس الكتاب

الصفحة 130 من 271

139-7794 - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا حَبَّانُ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ فُلَانِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ ، عَنْ عَمَّتِهِ سُلْمَى ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - طَافَ عَلَى نِسَائِهِ ذَاتَ يَوْمٍ فَجَعَلَ يَغْتَسِلُ عِنْدَ هَذِهِ وَعِنْدَ هَذِهِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ جَعَلْتَهُ غُسْلًا وَاحِدًا قَالَ:"هَذَا أَزْكَى وَأَطْيَبُ وَأَطْهَرُ" [1]

(1) - أخرجه أبو داود برقم (219) وأحمد برقم (24591) والبيهقي برقم (1025) وإتحاف الخيرة برقم (668) وحسن إسناده وهو حديث حسن

شرح النووي على مسلم - (ج 1 / ص 499)

حَاصِل الْأَحَادِيث كُلّهَا أَنَّهُ يَجُوز لِلْجُنُبِ أَنْ يَنَام وَيَأْكُل وَيَشْرَب وَيُجَامِع قَبْل الِاغْتِسَال ، وَهَذَا مُجْمَع عَلَيْهِ ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ بَدَن الْجُنُب وَعَرَقِهِ طَاهِرَانِ ، وَفِيهَا أَنَّهُ يُسْتَحَبّ أَنْ يَتَوَضَّأ ، وَيَغْسِل فَرْجه لِهَذِهِ الْأُمُور كُلّهَا ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا أَرَادَ جِمَاع مَنْ لَمْ يُجَامِعهَا ؛ فَإِنَّهُ يَتَأَكَّد اِسْتِحْبَاب غَسْلِ ذَكَرِهِ ، وَقَدْ نَصَّ أَصْحَابنَا أَنَّهُ يُكْرَه النَّوْم وَالْأَكْل وَالشُّرْب وَالْجِمَاع قَبْل الْوُضُوء ، وَهَذِهِ الْأَحَادِيث تَدُلّ عَلَيْهِ ، وَلَا خِلَاف عِنْدنَا أَنَّهُ هَذَا الْوُضُوء لَيْسَ بِوَاجِبِ ، وَبِهَذَا قَالَ مَالِك وَالْجُمْهُور ، وَذَهَبَ اِبْن حَبِيب مِنْ أَصْحَاب مَالِك إِلَى وُجُوبه ، وَهُوَ مَذْهَب دَاوُدَ الظَّاهِرِيّ ، وَالْمُرَاد بِالْوُضُوءِ وُضُوء الصَّلَاة الْكَامِل ، وَأَمَّا حَدِيث اِبْن عَبَّاس الْمُتَقَدِّم فِي الْبَاب قَبْله فِي الِاقْتِصَار عَلَى الْوَجْه وَالْيَدَيْنِ ؛ فَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِي الْجَنَابَة ، بَلْ فِي الْحَدَث الْأَصْغَر . وَأَمَّا حَدِيث أَبِي إِسْحَاق السُّبَيْعِيّ عَنْ الْأَسْوَد عَنْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا أَنَّ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَنَام وَهُوَ جُنُب وَلَا يَمَسّ مَاء ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْن مَاجَهْ وَغَيْرهمْ ، فَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: عَنْ يَزِيد بْن هَارُون وَهَمَ أَبُو إِسْحَاق فِي هَذَا ، يَعْنِي فِي قَوْله: لَا يَمَسّ مَاء . وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: يَرَوْنَ أَنَّ هَذَا غَلَط مِنْ أَبِي إِسْحَاق . وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: طَعَنَ الْحُفَّاظ فِي هَذِهِ اللَّفْظَة ، فَبَانَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ ضَعْفُ الْحَدِيث ، وَإِذَا ثَبَتَ ضَعْفُهُ لَمْ يَبْقَ فِيهِ مَا يَتَعَرَّض بِهِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ ، وَلَوْ صَحَّ لَمْ يَكُنْ أَيْضًا مُخَالِفًا ، بَلْ كَانَ لَهُ جَوَابَانِ: أَحَدهمَا جَوَاب الْإِمَامَيْنِ الْجَلِيلَيْنِ أَبِي الْعَبَّاس بْن شُرَيْحٍ وَأَبِي بَكْر الْبَيْهَقِيِّ: أَنَّ الْمُرَاد لَا يَمَسّ مَاء لِلْغُسْلِ . وَالثَّانِي وَهُوَ عِنْدِي حَسَنٌ: أَنَّ الْمُرَاد أَنَّهُ كَانَ فِي بَعْض الْأَوْقَات لَا يَمَسّ مَاء أَصْلًا ، لِبَيَانِ الْجَوَاز . إِذْ لَوْ وَاظَبَ عَلَيْهِ لَتَوَهَّمَ وُجُوبه . وَاللَّهُ أَعْلَم .

وَأَمَّا طَوَافه - صلى الله عليه وسلم - عَلَى نِسَائِهِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ فَيَحْتَمِل أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَتَوَضَّأ بَيْنَهُمَا ، أَوْ يَكُون الْمُرَاد بَيَان جَوَاز تَرْكِ الْوُضُوء ، وَقَدْ جَاءَ فِي سُنَن أَبِي دَاوُدَ أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - طَافَ عَلَى نِسَائِهِ ذَات لَيْلَة ، يَغْتَسِل عِنْد هَذِهِ وَعِنْد هَذِهِ ، فَقِيلَ: يَا رَسُول اللَّه ! أَلَا تَجْعَلهُ غُسْلًا وَاحِدًا ؟ فَقَالَ:"هَذَا أَزْكَى وَأَطْيَب وَأَطْهَر"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَالْحَدِيث الْأَوَّل أَصَحّ ، قُلْت: وَعَلَى تَقْدِير صِحَّته ، يَكُون هَذَا فِي وَقْت وَذَاكَ فِي وَقْت . وَاللَّهُ أَعْلَم .

وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي حِكْمَة هَذَا الْوُضُوء ، فَقَالَ أَصْحَابنَا: لِأَنَّهُ يُخَفِّف الْحَدَث ، فَإِنَّهُ يَرْفَع الْحَدَث عَنْ أَعْضَاء الْوُضُوء . وَقَالَ أَبُو عَبْد اللَّه الْمَازِرِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ: اُخْتُلِفَ فِي تَعْلِيله ، فَقِيلَ: لِيَبِيتَ عَلَى إِحْدَى الطَّهَارَتَيْنِ خَشْيَة أَنْ يَمُوت فِي مَنَامه . وَقِيلَ: بَلْ لَعَلَّهُ أَنْ يَنْشَط إِلَى الْغُسْل إِذَا نَالَ الْمَاء أَعْضَاءَهُ . قَالَ الْمَازِرِيّ: وَيَجْرِي هَذَا الْخِلَاف فِي وُضُوء الْحَائِض قَبْل أَنْ تَنَام ، فَمَنْ عَلَّلَ بِالْمَبِيتِ عَلَى طَهَارَة اِسْتَحَبَّهُ لَهَا . هَذَا كَلَام الْمَازِرِيّ . وَأَمَّا أَصْحَابنَا فَإِنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبّ الْوُضُوء لِلْحَائِضِ وَالنُّفَسَاء ؛ لِأَنَّ الْوُضُوء لَا يُؤَثِّر فِي حَدَثِهِمَا ، فَإِنْ كَانَتْ الْحَائِض قَدْ اِنْقَطَعَتْ حَيْضَتهَا صَارَتْ كَالْجُنُبِ . وَاللَّهُ أَعْلَم .

وَأَمَّا طَوَاف النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى نِسَائِهِ بِغُسْلٍ وَاحِد ، فَهُوَ مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ كَانَ بِرِضَاهُنَّ أَوْ بِرِضَى صَاحِبَة النَّوْبَة ، إِنْ كَانَتْ نَوْبَة وَاحِدَة ، وَهَذَا التَّأْوِيل يَحْتَاج إِلَيْهِ مَنْ يَقُول: كَانَ الْقَسْمُ وَاجِبًا عَلَى رَسُول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - فِي الدَّوَام ، كَمَا يَجِب عَلَيْنَا ، وَأَمَّا مَنْ لَا يُوجِبهُ فَلَا يَحْتَاج إِلَى تَأْوِيل فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَفْعَل مَا يَشَاء . وَهَذَا الْخِلَاف فِي وُجُوب الْقَسْمِ هُوَ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا . وَاللَّهُ أَعْلَم .

وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة فِي الْبَاب أَنَّ غُسْلَ الْجَنَابَة لَيْسَ عَلَى الْفَوْر ، وَإِنَّمَا يَتَضَيّق عَلَى الْإِنْسَان عِنْد الْقِيَام إِلَى الصَّلَاة وَهَذَا بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ . وَقَدْ اِخْتَلَفَ أَصْحَابنَا فِي الْمُوجِب لِغُسْلِ الْجَنَابَة هَلْ حُصُول الْجَنَابَة بِالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ ؟ أَوْ إِنْزَال الْمَنِيّ ؟ أَمْ هُوَ الْقِيَام إِلَى الصَّلَاة ؟ أَمْ هُوَ حُصُول الْجَنَابَة مَعَ الْقِيَام إِلَى الصَّلَاة ؟ فِيهِ ثَلَاثَة أَوْجُه لِأَصْحَابِنَا ، وَمَنْ قَالَ: يَجِب بِالْجَنَابَةِ قَالَ: هُوَ وُجُوب مُوَسَّع ، وَكَذَا اِخْتَلَفُوا فِي مُوجِبِ الْوُضُوء ، هَلْ هُوَ الْحَدَث أَمْ الْقِيَام إِلَى الصَّلَاة أَمْ الْمَجْمُوع ؟ ، وَكَذَا اِخْتَلَفُوا فِي الْمُوجِب لِغُسْلِ الْحَيْض هَلْ هُوَ خُرُوج الدَّم أَمْ اِنْقِطَاعه ؟ وَاللَّهُ أَعْلَم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت