70-7725 - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ دَخَلَ عَلَيْهَا أَيَّامَ مِنَى ، وَعِنْدَهَا جَارِيَتَانِ تُغَنِّيَانِ وَتَضْرِبَانِ بِدُفَّيْنِ وَرَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مُسَجًّى عَلَى وَجْهِهِ الثَّوْبُ لَا يَأْمُرُهُنَّ ، وَلَا يَنْهَاهُنَّ ، فَنَهَرَهُنَّ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"دَعْهُنَّ يَا أَبَا بَكْرٍ ، فَإِنَّهَا أَيَّامُ عِيدٍ" [1]
(1) - أخرجه البخاري (949 و 952 و987و 2907 و 3530 و 3931 ) ومسلم برقم (2100) وعبد الرزاق برقم (19736) وأحمد برقم ( 25277 ) والإحسان برقم (5967 )
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: فَهَذَا آخِرُ جَوَامِعِ الإِبَاحَاتِ عَنِ الْمُصْطَفَى - صلى الله عليه وسلم - ، أَمْلَيْنَاهَا بِفُصُولِهَا ، وَقَدْ بَقِيَ فِي هَذَا الْقِسْمِ أَحَادِيثُ بَدَّدْنَاهَا فِي سَائِرِ الأَقْسَامِ ، كَمَا بَدَّدْنَا مِنْهَا فِي هَذَا الْقِسْمِ عَلَى مَا أَصَّلْنَا الْكِتَابَ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا نُمْلِي بَعْدَ هَذَا الْقِسْمِ الْقِسْمَ الْخَامِسَ مِنْ أَقْسَامِ السُّنَنِ الَّتِي هِيَ أَفْعَالُ الْمُصْطَفَى - صلى الله عليه وسلم - بِفُصُولِهَا ، وَأَنْوَاعِهَا إِنِ اللَّهُ قَضَى ذَلِكَ وَشَاءَهُ ، جَعَلَنَا اللَّهُ مِمَّنْ هُدِيَ لِسَبِيلِ الرَّشَادِ ، وَوُفِّقَ لِسُلُوكِ السَّدَادِ ، وَشَمَّرَ فِي جَمْعِ السُّنَنِ وَالأَخْبَارِ ، وَتَفَقَّهَ فِي صَحِيحِ الآثَارِ ، وَآثَرَ مَا يُقَرِّبُ إِلَى الْبَارِي جَلَّ وَعَلاَ مِنَ الأَعْمَالِ عَلَى مَا يُبَاعِدُ مِنْهُ فِي الْأُصُولِ ، إِنَّهُ خَيْرُ مَسْئُولٍ.صحيح ابن حبان - (ج 13 / ص 181)
وفي شرح ابن بطال - (ج 4 / ص 171) قال المهلب: وفيه دليل أن العيد موضوع للراحات وبسط النفوس إلى ما يحل من الدنيا والأخذ بطيبات الرزق وما أحل الله من اللعب والأكل والشراب والجماع؛ ألا ترى أنه أباح الغناء من أجل عذر العيد قال: « دعهما يا أبا بكر، فإنها أيام عيد » ، وكان أهل المدينة على سيرة من أمر الغناء واللهو، وكان النبى، عليه السلام، وأبو بكر على خلاف ذلك؛ ولذلك أنكر أبو بكر المغنيتين في بيت عائشة؛ لأنه لم يرهما قبل ذلك بحضرة النبى، عليه السلام، فرخص في ذلك للعيد وفى ولائم إعلان النكاح.
وقوله: « تغنيان بما تقاولت به الأنصار يوم بعاث » ، تريد ترفعان أصواتهما بالإنشاد، وكل من رفع صوته بشىء ووالى به مرة بعد مرة، فصوته عند العرب غناء، وأكثره فيما شاق من صوت، أو شجا من نغمة ولحن، ولهذا قالوا: غنت الحمامة، ويغنى الطائر، هذا قول الخطابى.
وإنما كانتا تنشدان المراثى التى تحزن وتبعث النفوس على الاتنقام من العدو، وهى مراثى من أصيب يوم بعاث، فأباح النبى - صلى الله عليه وسلم - هذا النوع من الغناء.
وقولها: « وليستا بمغنيتين » ، تعنى الغناء الذى فيه ذكر الخنا والتعريض بالفواحش وما يسميه المُجان وأهل المعاصى غناء مما يكثر التنغيم فيه.
قال المهلب: وهذا الذى أنكره أبو بكر كثرة التنغيم وإخراج الإنشاد عن وجهه إلى معنى التطريب بالألحان؛ ألا ترى أنه لم ينكر الإنشاد وإنما أنكر مشابهة الزمير، فما كان من الغناء الذى يجرى هذا المجرى من اختلاف النغمات وطلب الإطراب فهو الذى تخشى فتنته واستهواؤه للنفوس، وقطع الذريعة فيه أحسن، وما كان دون ذلك من الإنشاد ورفع الصوت حتى لا يخفى معنى البيت، وما أراده الشاعر بشعره فغير منهى عنه، وقد روى عن عمر بن الخطاب أنه رخص في غناء الأعراب، وهو صوت كالحداء يسمى النصب إلا أنه رقيق.
وروى النضر بن شميل، عن محمد بن عمرو، عن يحيى بن عبد الرحمن، عن أبيه، قال: خرجنا مع عمر في الحج حتى إذا كنا بالروحاء كلم القوم رباح بن المعترف، وكان حسن الصوت بغناء الأعراب، فقالوا: أسمعنا وقصر عنا المسير فقال: إنى أفرق عمر، فقام أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى عمر فكلموه، فقال: يا رباح، أسمعهم وقصر عنهم المسير، فإذا سحرت فارفع قال: فرفع عقيرته وتغنى » .
فهذا وما أشبهه مما يدعى غناء لم ير به بأس، ولم ير فيه إثم؛ لأنه حداء يحث المطى ويقصر المسير ويخفف السفر، وتأتى زيادة في هذا الباب في باب كل لهو باطل إذا شغل عن طاعة الله في آخر كتاب الاستئذان، ويأتى في فضائل القرآن عند قوله: « ليس منا من لم يتغن بالقرآن » ، من أجاز سماع القرآن بالألحان ومن كرهه.