21-7677 أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ ، عَنْ حَجَّاجٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ ،عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: فَقَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ذَاتَ لَيْلَةٍ ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى بَعْضِ نِسَائِهِ فَتَحَسَّسْتُهُ ، فَإِذَا هُوَ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ يَقُولُ:"سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ"فَقَالَتْ:"بِأَبِي وَأُمِّي إِنَّكَ لَفِي شَأْنٍ وَإِنِّي لَفِي آخَرَ [1] "
(1) - أخرجه مسلم برقم (1117) ونص برقم (3978) و3979) وأحمد برقم (25922 و25924)
شرح النووي على مسلم - (ج 2 / ص 236)
قَوْلهَا: ( فَوَقَعَتْ يَدَيَّ عَلَى بَطْن قَدَمه وَهُوَ فِي الْمَسْجِد وَهُمَا مَنْصُوبَتَانِ ) اِسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ يَقُول لَمْس الْمَرْأَة لَا يَنْقُض الْوُضُوء ، وَهُوَ مَذْهَب أَبِي حَنِيفَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَآخَرِينَ ، وَقَالَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد رَحِمَهُمْ اللَّه تَعَالَى وَالْأَكْثَرُونَ: يَنْقُض وَاخْتَلَفُوا فِي تَفْصِيل ذَلِكَ ، وَأُجِيبَ عَنْ هَذَا الْحَدِيث بِأَنَّ الْمَلْمُوس لَا يُنْتَقَض عَلَى قَوْل الشَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى وَغَيْره ، وَعَلَى قَوْل مَنْ قَالَ يُنْتَقَض وَهُوَ الرَّاجِح عِنْد أَصْحَابنَا يُحْمَل هَذَا اللَّمْس عَلَى أَنَّهُ كَانَ فَوْق حَائِل فَلَا يَضُرّ . وَقَوْلهَا: ( وَهُمَا مَنْصُوبَتَانِ ) فِيهِ أَنَّ السُّنَّة نَصْبهمَا فِي السُّجُود .
وَقَوْلهَا: ( وَهُوَ يَقُول: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذ بِرِضَاك مِنْ سَخَطك . وَبِمُعَافَاتِك مِنْ عُقُوبَتك ، وَأَعُوذ بِك مِنْك لَا أُحْصِي ثَنَاء عَلَيْك أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْت عَلَى نَفْسك ) قَالَ الْإِمَام أَبُو سُلَيْمَان الْخَطَّابِيّ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى فِي هَذَا مَعْنَى لَطِيف ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ اِسْتَعَاذَ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَسَأَلَهُ أَنْ يُجِيرهُ بِرِضَاهُ مِنْ سَخَطه ، وَبِمُعَافَاتِهِ مِنْ عُقُوبَته ، وَالرِّضَاء وَالسَّخَط ضِدَّانِ مُتَقَابِلَانِ . وَكَذَلِكَ الْمُعَافَاة وَالْعُقُوبَة فَلَمَّا صَارَ إِلَى ذِكْر مَا لَا ضِدّ لَهُ وَهُوَ اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى اِسْتَعَاذَ بِهِ مِنْهُ لَا غَيْر ، وَمَعْنَاهُ الِاسْتِغْفَار مِنْ التَّقْصِير فِي بُلُوغ الْوَاجِب مِنْ حَقِّ عِبَادَته وَالثَّنَاء عَلَيْهِ . وَقَوْله: لَا أُحْصِي ثَنَاء عَلَيْك أَيْ لَا أُطِيقهُ وَلَا آتِي عَلَيْهِ ، وَقِيلَ: لَا أُحِيط بِهِ ، وَقَالَ مَالِك رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى: مَعْنَاهُ لَا أُحْصِي نِعْمَتك وَإِحْسَانك وَالثَّنَاء بِهَا عَلَيْك وَإِنْ اِجْتَهَدْت فِي الثَّنَاء عَلَيْك . وَقَوْله: ( أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْت عَلَى نَفْسك ) اِعْتِرَاف بِالْعَجْزِ عَنْ تَفْصِيل الثَّنَاء ، وَأَنَّهُ لَا يَقْدِر عَلَى بُلُوغ حَقِيقَته ، وَرَدّ لِلثَّنَاءِ إِلَى الْجُمْلَة دُون التَّفْصِيل وَالْإِحْصَار وَالتَّعْيِين ، فَوَكَّلَ ذَلِكَ إِلَى اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى الْمُحِيط بِكُلِّ شَيْء جُمْلَة وَتَفْصِيلًا ، وَكَمَا أَنَّهُ لَا نِهَايَة لِصِفَاتِهِ لَا نِهَايَة لِلثَّنَاءِ عَلَيْهِ لِأَنَّ الثَّنَاء تَابِع لِلْمَثْنَى عَلَيْهِ ، وَكُلّ ثَنَاء أَثْنَى بِهِ عَلَيْهِ وَإِنْ كَثُرَ وَطَالَ وَبُولِغَ فِيهِ فَقَدَرُ اللَّه أَعْظَم ، وَسُلْطَانه أَعَزّ ، وَصِفَاته أَكْبَر وَأَكْثَر ، وَفَضْله وَإِحْسَانه أَوْسَع وَأَسْبَغ .
وَفِي هَذَا الْحَدِيث دَلِيل لِأَهْلِ السُّنَّة فِي جَوَاز إِضَافَة الشَّرّ إِلَى اللَّه تَعَالَى كَمَا يُضَاف إِلَيْهِ الْخَيْر لِقَوْلِهِ: أَعُوذ بِك مِنْ سَخَطك وَمِنْ عُقُوبَتك وَاَللَّه أَعْلَم .