فهرس الكتاب

الصفحة 100 من 301

وفي المقابل هناك وجهات نظر مناقضة لذلك الرأي تقف له بالمرصاد، إذ ترى الحضارة الإسلاميّة شأن سائر الحضارات وليدة الواقع التاريخيّ بما حوى من ضروب الحضارات والأديان والمذاهب والأنظمة والثقافات . فالحضارة الإسلاميّة هي بالدرجة الأولى امتداد لحضارة عرب الجاهليّة، غير أنّ ذلك الامتداد -على أبعد تقدير- اتّخذ منحى جديدًا نتيجة الإبداع الّذي تفتّقت عنه عبقريّات المسلمين، بدءًا بمحمّد وصحابته ثمّ الّذين اتّبعوهم. ثمّ هي بالدرجة الثانيّة اقتباس من الحضارات السالفة والمعاصرة من يونانيّة ورومانيّة وفارسيّة وهنديّة وغيرها… وهكذا فلا يمكننا -وفق هذه النظريّة - أن نتكلّم عن حضارة إسلاميّة مكتملة المعالم قبل مرور عدّة قرون على ظهور الإسلام، أدّت إلى ذلك التفاعل، ووفق رأي"أحمد أمين"مثلًا، فإنّ القرن الرابع الهجريّ هو العصر الّذي بلغت فيه الحضارة الإسلاميّة ذروتها (1) .

إنّ الوقوف أمام هذين الاتجّاهين لمحاكمتهما والموازنة بينهما يحتاج إلى تقرير الميزان الّذي يجب اعتماده للبتّ في قضيّة عظيمة الشأن كهذه. وكم من الباحثين تعاطوا مع مسألة الحضارة الإسلاميّة ونشوئها متجاهلين النزاع الأصيل حولها، أو دون أن يحدّدوا الأرض الّتي يقفون عليها قبل رحلة البحث والدراسة في موضوع خطير كهذا .

و الحقيقة أنّ إدلاء الرأي في تفسير نشوء الحضارة الإسلاميّة يتطلّب بالدرجة الأولى اتّخاذ موقف من مسألة جوهريّة، هي غاية في الأهميّة والخطورة. ألا وهي: هل الإسلام دين الوحي؟

(1) 3-"الحضارة الإسلاميّة في القرن الرابع الهجريّ"لآدم متز - تعريب محمّد عبد الهادي أبو ريدة - دار الكتاب العربيّ ، بيروت - الطبعة الخامسة - تصدير الترجمة العربيّة بقلم أحمد أمين -ص 7

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت