.كما يرى"بروكلمان"أنّه «لا يجوز أن نطلق الحكم على دين محمّد على أساس القرآن وحده طبعًا، وليست المسألة مسألة نظام مرتّب، إذ لم تكن الدقّة والتماسك الفكريّ أقوى جوانبه على الإطلاق. ولم يكن عالمه الفكريّ من إبداعه الخاصّ إلاّ إلى حدّ صغير. فقد انبثق في الدرجة الأولى عن اليهوديّة والنصرانيّة، فكيّفه محمّد تكييفًا بارعًا وفقًا لحاجات شعبه الدينيّة. وبذلك ارتفع بهم إلى مستوى أعلى من الإيمان الفطريّ والحساسيّة الخلقيّة» (1) .وبناء عليه فإنّ"بروكلمان"يبذل جهده في أن يعزو كلّ ما أتى به محمّد عليه الصلاة والسلام إلى استمداده من الأديان السالفة. ففي الإيمان باليوم الآخر يقول: «إنّما ترجع معتقداته في ما يتعلّق باليوم الآخر إلى مصادر يهوديّة، وهكذا تّتصل بصورة غير مباشرة بمصادر فارسيّة وبابليّة قديمة» (2) .وفي القصص القرآني يرى أنّه «ليس من شكّ في أنّ معرفته بمادّة الكتاب المقدّس كانت سطحيّة إلى أبعد الحدود، وحافلة بالأخطاء، وقد يكون مدينًا ببعض هذه الأخطاء للأساطير اليهوديّة الّتي يحفل بها القصص التلموديّ، ولكنّه مدين بذلك دَينًا أكبر، للمعلِّمين المسيحيين الّذين عرّفوه بإنجيل الطفولة ، وبحديث أهل الكهف السبعة، وحديث الإسكندر، وغيرها من الموضوعات الّتي تتواتر في كتب العصر الوسيط» (3) . وحتّى فريضة الصوم يتحرّى لها عن مصدر إذ يقول: «لسنا نعرف حتّى الآن ما إذا كان محمّد قد اقتبس هذه الفريضة عن إحدى الفرق الغنوستيّة أم عن المانيّين الّذين نفذ مبشّروهم إلى بلاد العرب أيضًا . فقد كان لا يعرف شيئًا، أو يكاد، عن الحرّانيين في العراق، الّذين كانوا يصومون كذلك شهر آذار، تمجيدًا للقمر» (4) .
(1) - المرجع السابق - ص 69
(2) - المرجع السابق - ص 71
(3) - المرجع السابق - ص 39
(4) - المرجع السابق - ص 48