ونرى الرأي ذاته أيضًا، وعلى نحو أكثر سفورًا لدى"كارل بروكلمان"الّذي يقول: «بينما كان بعض معاصري النبيّ، كأميّة بن أبي الصلت شاعر الطائف، وهي بلدة بحذاء مكّة، يكتفون بوحدانيّة عامّة، كان محمّد يأخذ بأسباب التحنّث والتنسّك، ويسترسل في تأمّلاته حول خلاصة الوحي الروحيّ، ليالي بطولها في غار حراء، قرب مكّة. لقد تحقّق عنده أنّ عقيدة مواطنيه الوثنيّة فاسدة فارغة، فكان يضجّ في أعماق نفسه هذا السؤال: إلى متى يمدّهم الله في ضلالهم، ما دام هو عزّ وجلّ قد تجلّى، آخر الأمر، للشعوب الأخرى بواسطة أنبيائه؟ وهكذا نضجت في نفسه الفكرة أنّه مدعوّ إلى أداء هذه الرسالة، رسالة النبوّة، ولكنّ حياءه الفطريّ حال بينه وبين إعلان نبوّته فترة غير قصيرة، ولم تتبدّد شكوكه إلاّ بعد أن خضع لإحدى الخبرات الخارقة في غار حراء. ذلك بأنّ طائفًا تجلّى له هناك يومًا، هو الملَك جبريل، على ما تمثّلَه محمّد في ما بعد، فأوحى إليه أنّ الله قد اختاره لهدايّة الأمّة. وآمنت زوجه في الحال برسالته المقدّسة، وتحرّر هو نفسه من آخر شكوكه بعد أن تكرّرت الحالات الّتي ناداه فيها الصوت الإلهيّ وتكاثرت. ولم تكد هذه الحالات تنقضي حتّى أعلن ما ظنّ أنّه قد سمعه، كوحي من عند الله. ولكنّ ذلك لم يثر، أوّل الأمر، اهتمامًا كبيرًا بين مواطنيه ولم يلهب أحاسيسهم ومشاعرهم. فقد كانوا متعوّدين أن يظهر في كلّ قبيلة تقريبًا، كما يظهر الشاعر،"كاهن"يستطيع أن يعزو أحكامه فيما يتعلّق بالخلافات والمشكلات الغامضة المعروضة عليه -من قتل وسرقة، أو شرود إبل وضياعها - إلى صاحب له غيبيّ، وأن يذيعها في الناس نثرًا مسجوعًا، كما فعل النبيّ فيما نُزّل عليه من وحي، ومن هنا كان على محمّد أن يحتاط مرّة بعد مرّة، من أن يضعه مواطنوه في مصفّ هؤلاء الكهّان ومرتبتهم» (1)
(1) 1- كارل بروكلّمان - تاريخ الشعوب الإسلاميّة - نقله إلى العربيّة نبيه أمين فارس ومنير البعلبكي - دار العلم للملايين, بيروت- 1993 - ص 36-37